رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ثلاثة أيام متوالية حتى فارق الدنيا ، ولو شئنا لشبعنا » ولكنا كنا نؤثر على أنفسنا » ، ونزل برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ضيف فلم يجد عند أهله شيئا ، فدخل عليه رجل من الأنصار فذهب بالضيف إلى أهله ، ثم وضع بين يديه الطعام وأمر امرأته بإطفاء السراج ، وجعل يمد يده إلى الطعام كأنه يأكل ولا يأكل ، حتى أكل الضيف الطعام ، فلما أصبح قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « لقد عجب اللّه من صنيعكم الليلة إلى ضيفكم » ، ونزلت :
وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ
فالسخاء خلق من أخلاق اللّه تعالى ، والإيثار أعلى درجات السخاء . وكان ذلك من دأب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حتى سماه اللّه
شرح
رواه نافع أن ابن عمر اشتهى سمكة طرية وكان قد نقه من مرضه فالتمست بالمدينة فلم توجد حتى وجدت بعد مدة ، واشتريت بدرهم ونصف فأشويت وجيء بها على رغيف ، فقام سائل بالباب ، فقال ابن عمر للغلام : لفها برغيفها وادفعها إليه ، فأبى الغلام فردّه وأمر بدفعها إليه ، ثم جاء بها فوضعها بين يديه وقال : كل هنيئا يا أبا عبد الرحمن فقد أعطيته درهما وأخذتها ، فقال : لفها وادفعها إليه ولا تأخذ منه الدرهم ، فإني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « أيما امرئ اشتهى » وذكر الحديث .
( وقالت عائشة رضي اللّه عنها : « ما شبع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ثلاثة أيام متوالية حتى فارق الدنيا ، ولو شئنا لشبعنا ولكنا كنا نؤثر على أنفسنا » ) قال العراقي : رواه البيهقي في الشعب بلفظ « ولكنه كان يؤثر على نفسه » وأول الحديث عند مسلم بلفظ : « ما شبع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ثلاثة أيام تباعا من خبز بر حتى مضى لسبيله » وللشيخين : « ما شبع آل محمد منذ قدم المدينة ثلاث ليال تباعا حتى قبض » زاد مسلم « من طعام بر » .
( ونزل برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ضيف فلم يجد عند أهله شيئا ، فدخل عليه رجل من الأنصار ) وهو أبو طلحة زيد بن سهل رضي اللّه عنه ، ( فذهب به إلى أهله فوضع بين يديه الطعام ) الذي هو قوته وقوت صبيانه ، ( وأمر امرأته ) وهي أم سليم رضي اللّه عنها ( بإطفاء السراج ) فقامت كأنها تصلح السراج فأطفأته ، ( وجعل يمد يده إلى الطعام كأنه يأكل ) أي يظهر من نفسه الأكل ( ولا يأكل ) إيثارا ( حتى أكل الضيف الطعام ) وبقي هو وعياله مجهودين ، ( فلما أصبح ) وغدا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وقد سبقه جبريل عليه السلام فأخبره بما صنع ( قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « لقد عجب اللّه عز وجل من صنيعكم الليلة إلى ضيفكم » ونزلتوَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ) متفق عليه من حديث أبي هريرة . ( فالسخاء خلق من أخلاق اللّه تعالى ) . وقد روى أبو نعيم ، والديلمي ، وأبو الشيخ ، وابن النجار من حديث ابن عباس : « السخاء خلق اللّه الأعظم » أي فمن تخلق به تخلق بصفة من صفاته تعالى . ( والإيثار أعلى درجات السخاء ، وكان ذلك من دأب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ) أي من طريقته ، ( حتى سماه اللّه تعالى عظيما فقال :وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) وقد تقدم الكلام على هذه الآية في كتاب رياضة النفس .