الذي هو الوسط ، فلو ماتت ماتت على الوسط لأن الوسط هو أبعد المواضع عن الحرارة التي في الحلقة المحيطة ، فكذلك الشهوات محيطة بالإنسان إحاطة تلك الحلقة بالنملة ، والملائكة خارجون عن تلك الحلقة ، ولا مطمع للإنسان في الخروج وهو يريد أن يتشبه بالملائكة في الخلاص ، فأشبه أحواله بهم البعد ، وأبعد المواضع عن الأطراف الوسط ، فصار الوسط مطلوبا في جميع هذه الأحوال المتقابلة . وعنه عبر بقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « خير الأمور أوساطها » وإليه الإشارة بقوله تعالى :
كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا
[ الأعراف : 31 ] ومهما لم يحس الإنسان بجوع ولا شبع تيسرت له العبادة والفكر وخف في نفسه وقوي على العمل مع خفته ، ولكن هذا بعد اعتدال الطبع .
أما في بداية الأمر إذا كانت النفس جموحا متشوّقة إلى الشهوات مائلة إلى الإفراط
شرح
فلا تزال تهرب ) في كل ناحية منها ( حتى تستقر على المركز الذي هو الوسط ، فلو ماتت ماتت على الوسط لأن الوسط هو أبعد المواضع عن الحرارة التي في الحلقة المحيطة ، فكذلك الشهوات محيطة بالإنسان إحاطة تلك الحلقة بالنملة والملائكة خارجون عن تلك الحلقة ولا مطمع للإنسان في الخروج ) منها إذ هي خلقت معه فلا تفارقه ، ( وهو ) مع ذلك ( يريد أن يتشبه بالملائكة ) بخروجه عن الصفات البهيمية : ( في الخلاص ) منها ( فأشبه أحواله بهم البعد ) عن الشهوات ، ( وأبعد المواضع عن الأطراف الوسط فصار الوسط مطلوبا في جميع هذه الأخلاق المقابلة وعنه عبر بقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « خير الأمور أوسطها » ) قال العراقي رواه البيهقي في الشعب مرسلا وقد تقدم .
قلت : أخرجه من قول مطرف ، وكذلك رواه ابن جرير في التفسير أيضا ، ويروى من قول يزيد بن مرة الجعفي رواه ابن جرير أيضا وروي ذلك عن علي مرفوعا بسند فيه مجاهيل ، ورواه السمعاني في الذيل ، وأبو بكر الجياني في الأربعين ، ويروى أيضا عن ابن عباس أخرجه الديلمي بلا سند وقد تقدم الكلام على ذلك مفصلا .
( وإليه الإشارة بقوله تعالى :كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا) وكذا قوله تعالى :وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِالآية [ الإسراء : 29 ] وكذا قوله تعالى :لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً[ الفرقان : 67 ] وقال تعالى :إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ[ البقرة : 68 ] ( ومهما لم يحس الإنسان بجوع ولا شبع تيسرت له العبادة والفكر ) والمراقبة ونحوها ( وخف في نفسه وقوى على العمل في خفته ) وفي بعض النسخ وقوي بالعمل على خفته ، ( ولكن هذا بعد اعتدال الطبع ) .
( أما في بداية الأمر إذا كانت النفس جموحة ) رافعة رأسها ( متشوقة إلى الشهوات