تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
فالاعتدال لا ينفعها بل لا بد من المبالغة في إيلامها بالجوع ، كما يبالغ في إيلام الدابة التي ليست مروضة بالجوع والضرب وغيره إلى أن تعتدل ، فإذا ارتاضت واستوت ورجعت إلى الاعتدال ترك تعذيبها وإيلامها ، ولأجل هذا السر يأمر الشيخ مريده بما لا يتعاطاه هو في نفسه فيأمر بالجوع وهو لا يجوع ويمنعه الفواكه والشهوات ، وقد لا يمتنع هو منها ، لأنه قد فرغ من تأديب نفسه فاستغنى عن التعذيب . ولما كان أغلب أحوال النفس الشره والشهوة والجماح والامتناع عن العبادة ، كان الأصلح لها الجوع الذي تحس بألمه في أكثر الأحوال لتنكسر نفسه . والمقصود أن تنكسر حتى تعتدل فترد بعد ذلك في الغذاء أيضا إلى الاعتدال وإنما يمتنع من ملازمة الجوع من سالكي طريق الآخرة إما صديق وإما مغرور أحمق . أما الصديق فلاستقامة نفسه على الصراط المستقيم واستغنائه عن أن يساق بسياط الجوع إلى الحق ، وأما المغرور : فلظنه بنفسه أنه الصديق المستغني عن تأديب نفسه الظان بها خيرا وهذا غرور عظيم وهو الأغلب ، فإن النفس قلما تتأدب تأدبا كاملا ، وكثيرا ما
شرح
مائلة إلى الافراط فالاعتدال لا ينفعها بل لا بد من المبالغة في إيلامها ) أي إتعابها ( بالجوع كما يبالغ في إيلام الدابة التي ليست مروضة ) أي منقادة مهذبة ( بالجوع والضرب وغيرهما إلى أن تعتدل ) وهذا مشاهد ، ( فإذا ارتاضت واستوت ورجعت إلى الاعتدال ترك تعذيبها وإيلامها ) وأطلق لها الإكرام ، ( ولأجل هذا السر يأمر الشيخ مريده بما لا يتعاطاه هو في نفسه فيأمره بالجوع ) والصبر عليه ( وهو ) بنفسه ( لا يجوع ويمنعه ) تناول ( الفواكه والشهوات ) ويحذره منها ( وهو لا يمتنع منها ) بل يتناولها ، ( لأنه قد فرغ من تأديب نفسه فاستغنى عن التأديب ) إذ صارت مذللة في العبادة ، ( ولما كان الأغلب على النفس الشره والشهوة والجماح والامتناع عن العبادة ) بالتكاسل ( كان الأصلح لها الجوع الذي تحس بألمه في أكثر الأحوال لتنكسر ) ، فالامتناع عن العبادة ثمرة الكسل والكسل ثمرة امتلاء المعدة ، وكذا الجماع إنّما يحركه باعث الشهوة والشهوة تنبعث عن الطعام وقس عليهما بقية الأوصاف الذميمة والجوع مقطعة للكل . ( والمقصود أن تنكسر ) النفس ( حتى تعتدل فترد بعد ذلك أيضا في الغذاء إلى الاعتدال ، وإنما يمتنع من ملازمة الجوع من سالكي طريق الآخرة ) رجلان : ( إما صديق ) قد بلغ الغاية القصوى في مرتبة صدقه في العبادة ، ( وإما مغرور أحمق ) . ( أما الصديق : فلاستقامة نفسه على الصراط المستقيم واستغنائه عن أن يساق بسياط الجوع إلى الحق ) فهو لا يلازم الجوع ولا حد له في أكله ولا توقيت ، ( وأما المغرور : فلظنه بنفسه أنه الصديق المستغني عن تأديب نفسه ) وترويضها ( الظان بها خيرا وهذا غرور
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 78 | مرتضى الزبيدي