أسلفوا ترك الشهوات . ولذلك قال أبو سليمان ترك شهوة من الشهوات انفع للقلب من صيام سنة وقيامها وفقنا اللّه لما يرضيه .
بيان اختلاف حكم الجوع وفضيلته واختلاف أحوال الناس فيه :
اعلم أن المطلوب الأقصى في جميع الأمور والأخلاق : الوسط ، إذ خير الأمور أوساطها وكلا طرفي قصد الأمور ذميم . وما أوردناه في فضائل الجوع ربما يومىء إلى أن الإفراط فيه مطلوب وهيهات ، لكن من أسرار حكمة الشريعة أن كل ما يطلب الطبع فيه الطرف الأقصى وكان فيه فساد جاء الشرع بالمبالغة في المنع منه ، على وجه يومىء عند الجاهل إلى أن المطلوب مضادة ما يقتضيه الطبع بغاية الإمكان . والعالم يدرك أن المقصود الوسط لأن الطبع إذا طلب غاية الشبع فالشرع ينبغي أن يمدح غاية الجوع حتى
شرح
( و ) كأنهم كانوا ( قد أسلفوا ترك الشهوات ) لما تركوها وقدموا الجوع والعطش في خلو أيامهم فاستقبلهم بالأكل والشرب ، ويقال لكل عمل جزاء في الآخرة من جنسه وبمعناه ( ولذلك قال أبو سليمان ) الداراني رحمه اللّه تعالى : ( ترك شهوة من الشهوات أنفع للعبد من صيام سنة وقيامها ) لفظ القوت : ترك شهوة من شهوات النفس انفع للقلب من صيام سنة وقيامها وهو الذي قال : لأن أترك لقمة من عشائي أحب إلي من قيام ليلة ذلك وقد تقدم قريبا . وكان رحمه اللّه تعالى شديد الأمر في الجوع وكان قد ترك أكل الشهوات وأكل الخبز أيضا ثلاثين سنة كما نقله صاحب القوت .