تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
أسلفوا ترك الشهوات . ولذلك قال أبو سليمان ترك شهوة من الشهوات انفع للقلب من صيام سنة وقيامها وفقنا اللّه لما يرضيه . بيان اختلاف حكم الجوع وفضيلته واختلاف أحوال الناس فيه : اعلم أن المطلوب الأقصى في جميع الأمور والأخلاق : الوسط ، إذ خير الأمور أوساطها وكلا طرفي قصد الأمور ذميم . وما أوردناه في فضائل الجوع ربما يومىء إلى أن الإفراط فيه مطلوب وهيهات ، لكن من أسرار حكمة الشريعة أن كل ما يطلب الطبع فيه الطرف الأقصى وكان فيه فساد جاء الشرع بالمبالغة في المنع منه ، على وجه يومىء عند الجاهل إلى أن المطلوب مضادة ما يقتضيه الطبع بغاية الإمكان . والعالم يدرك أن المقصود الوسط لأن الطبع إذا طلب غاية الشبع فالشرع ينبغي أن يمدح غاية الجوع حتى
شرح
( و ) كأنهم كانوا ( قد أسلفوا ترك الشهوات ) لما تركوها وقدموا الجوع والعطش في خلو أيامهم فاستقبلهم بالأكل والشرب ، ويقال لكل عمل جزاء في الآخرة من جنسه وبمعناه ( ولذلك قال أبو سليمان ) الداراني رحمه اللّه تعالى : ( ترك شهوة من الشهوات أنفع للعبد من صيام سنة وقيامها ) لفظ القوت : ترك شهوة من شهوات النفس انفع للقلب من صيام سنة وقيامها وهو الذي قال : لأن أترك لقمة من عشائي أحب إلي من قيام ليلة ذلك وقد تقدم قريبا . وكان رحمه اللّه تعالى شديد الأمر في الجوع وكان قد ترك أكل الشهوات وأكل الخبز أيضا ثلاثين سنة كما نقله صاحب القوت .

بيان اختلاف حكم الجوع وفضيلته واختلاف أحوال الناس فيه :

( اعلم أن المطلوب الأقصى في جميع الأمور والأخلاق الوسط إذ خير الأمور أوسطها ) كما ورد في الخبر وتقدم الكلام عليه ( وكلا طرفي قصد الأمور ذميم ) قال صاحب القوت ، قال وهب بن منبه : لكل شيء وسط وطرفان ، فإذا أمسكت أحد الطرفين مال الآخر وإن أمسكت الوسط اعتدل الطرفان . قلت : أخرجه صاحب الحلية من طريق عبد الصمد بن معقل عن عمه وهب وزاد ثم قال : عليكم بالأوسط من الأشياء ( وما أوردناه في فضائل الجوع فربما يومىء ) أي يشير ( إلى أن الإفراط مطلوب وهيهات فمن أسرار حكمة الشريعة ) الخفية ، ( أن كل ما يطلب الطبع فيه الطرف الأقصى ) أي الأبعد ( وكان فيه فساد ) إما حالا أو مآلا ( جاء الشرع بالمبالغة في المنع منه ) والزجر عنه ( على وجه يومىء عند الجاهل ) بالأسرار ( إلى أن المطلوب مضادة ما يقتضيه الطبع بغاية الإمكان والعالم ) الكامل في معرفته ( يدرك ) من ذلك ( أن المقصود ) هو ( الوسط لأن الطبع إذا طلب غاية الشبع ، فالشرع ينبغي أن يمدح غاية الجوع
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 75 | مرتضى الزبيدي