ولذلك حكي عن سهل أنه قيل له : كيف كنت في بدايتك ؟ فأخبر بضروب من الرياضات ، منها أنه كان يقتات ورق النبق مدة ، ومنها أنه أكل دقاق التين مدة ثلاث سنين ثم ذكرانه اقتات بثلاثة دراهم في ثلاث سنين فقيل له : فكيف أنت في وقتك هذا ؟
فقال : آكل بلا حد ولا توقيت ، وليس المراد بقوله بلا حد ولا توقيت : أني آكل كثيرا بل أني لا أقدر بمقدار واحد ما آكله . وقد كان معروف الكرخي يهدى إليه طيبات الطعام فيأكل ، فقيل له : إن أخاك بشرا لا يأكل مثل هذا . فقال : إن أخي بشرا قبضه الورع وأنا بسطتني المعرفة ، ثم قال : إنما أنا ضيف في دار مولاي فإذا أطعمني أكلت وإذا جوّعني صبرت ، ما لي والاعتراض والتمييز ؟ ودفع إبراهيم بن أدهم إلى بعض إخوانه دراهم
شرح
ذلك من عقوبات القلوب أو عقوبات الجوارح في طرقات الآخرة فتلك عقوبة ترك فضائل الأعمال قال بشر بن الحرث رحمه اللّه تعالى : إن فلانا الغني يصوم الدهر ، فقال المسكين ترك حاله ودخل حال غيره إنما حاله أن يطعم الجياع ويكسو العراة ويؤاسي المحتاجين ، فهذا أفضل له من صيامه الدهر ثم قال بشر : عبادة الغني كروضة على مزبلة وعبادة الفقير كعقد الجوهر في جيد الحسناء . ودخل سفيان الثوري رحمه اللّه تعالى يوما على أبي إسحاق الفزاري فقدم إليه قصعة فيها خبيص فقال : لولا أني صائم لأكلت معك . قال الفزاري : دخل علي أخوك إبراهيم بن أدهم فقعد في موضعك هذا فقدمت إليه خبيصا في هذه القصعة فأكل ، فلما أراد الانصراف قال : أما أني كنت صائما إلا أني أحببت أن آكل معك أسرك بذلك ، فوضع الثوري يده فجعل يأكل وتأدب بإبراهيم .
( ولذلك حكي عن سهل ) التستري رحمه اللّه تعالى ( أنه قيل له : كيف كنت في بدايتك ) أي ابتداء حالك في السلوك ( فأخبر بضروب من الرياضات ) وأنواع من المجاهدات . ( منها :
أنه كان يقتات ورق النبق مدة ، ومنها أنه أكل دقاق التين ) وهو ما تكسر منه ( مدة ثلاث سنين ، ثم ذكر أنه اقتات بثلاثة دراهم في ثلاث سنين ) قيل : وما هو ؟ قال : كنت اشتري في كل سنة بدانقين تمرا وأربعة دوانيق كسبا ثم أعجنهما عجنة ثم أجزئها ثلاثمائة وستين كبة أفطر في كل ليلة على كبة قال ( فقيل له فكيف أنت في وقتك هذا ؟ قال : آكل بلا حد ولا توقيت ) نقله صاحب القوت وقد تقدم له ، وللمصنف قريبا نحو هذه وكذا أورده القشيري في الرسالة في ترجمة سهل . ( وليس المراد بقوله بلا حد ولا توقيت أني آكل كثيرا بل ) المراد ( أني لا أقدر بمقدار واحد ما آكله ، وقد كان ) أبو محفوظ ( معروف ) بن فيروز ( الكرخي ) رحمه اللّه تعالى ( يهدى إليه طيب الطعام فيأكل فقيل له : إن أخاك بشر ) بن الحرث الحافي ( لا يأكل مثل هذا . فقال : إن أخي بشرا قبضه الورع ، وأنا بسطتني المعرفة ، ثم قال : إنما أنا ضيف في دار مولاي ، فإذا أطعمني أكلت ، وإذا جوعني صبرت مالي والاعتراض والتمييز ) وفي نسخة التخير هكذا أورده صاحب القوت . ( ودفع إبراهيم بن أدهم ) رحمه اللّه