( مثال آخر لتنعم الناس بالدنيا ثم تفجعهم على فراقها ) : اعلم أن مثل الناس فيما أعطوا من الدنيا مثل رجل هيأ دارا وزينها وهو يدعو إلى داره على الترتيب قوما .
واحدا بعد واحد ، فدخل واحد داره فقدم إليه طبق ذهب عليه بخور ورياحين ليشمه ويتركه لمن يلحقه لا ليتملكه ويأخذه ، فجهل رسمه وظن أنه قد وهب ذلك منه فتعلق به قلبه لما ظن أنه له ، فلما استرجع منه ضجر وتفجع ، ومن كان عالما برسمه انتفع به وشكره ورده بطيب قلب وانشراح صدر ، وكذلك من عرف سنة اللّه في الدنيا علم أنها دار ضيافة سبلت على المجتازين لا على المقيمين ليتزودوا منها وينتفعوا بما فيها كما ينتفع المسافرون بالعواري ، ولا يصرفون إليها كل قلوبهم حتى تعظم مصيبتهم عند فراقها .
فهذه أمثلة الدنيا وآفاتها وغوائلها نسأل اللّه تعالى اللطيف الخبير حسن العون بكرمه وحلمه .
شرح
حيث أشار ، وفي لفظ : فراح وراحوا معه فأوردهم ماء رواء ورياضا خضرا ، ( وتخلف بقيتهم فنذر بهم عدو ) فأغار عليهم ( فأصبحوا من بين أسير وقتيل » ) قال العراقي : رواه ابن أبي الدنيا هكذا بطولة ، ولأحمد والطبراني والبزار من حديث ابن عباس : « أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أتاه فيما يرى النائم ملكان » الحديث . فقال : أي أحد الملكين إن مثل هذا ومثل أمته مثل قوم سفر انتهوا إلى مفازة فذكر نحوه وأخصر منه وإسناده حسن انتهى .
قلت : وبخط الحافظ ابن حجر إسناده صحيح واللفظ الذي ساقه المصنف وهو سياق حديث الحسن عند ابن أبي الدنيا ، وقد روى نحوه ابن عساكر ، عن ابن المبارك قال : بلغنا عن الحسن قال ابن عساكر . وهذا مرسل وفيه انقطاع بين ابن المبارك والحسن .
( مثال آخر لتنعم الناس بالدنيا ثم تفجعهم على فراقها : أعلم ) بصرك اللّه بنوره ( إن مثل الناس فيما أعطوا من الدنيا ) من ولد ومال وعقار ( مثل رجل هيأ دارا وزينها وهو يدعو إلى داره على الترتيب قوما ، واحدا بعد واحد ، فدخل واحد داره فقدم إليه طبق ذهب عليه بخور ورياحين ليشمه ويتركه لمن يلحقه ) بعده ( لا ليتملكه ويأخذه ، فجهل رسمه ، فظن أنه قد وهب ذلك منه فتعلق به قلبه لما ظن أنه له ، فلما استرجع منه ضجر ) وقلق ( وتفجع ) وحزن ، ( ومن كان عالما يرسمه انتفع به وشكره ورده بطيبة قلب وانشراح صدر ، فكذلك من عرف سنة اللّه في الدنيا ) التي أجرى مراسمها على خلق ( علم أنها دار ضيافة سبلت ) أي حبست ( على المجتازين ) العابرين ( لا على المقيمين ليتزودوا منها وينتفعوا بما فيها كما ينتفع المسافرون بالعواري ) جمع عارية ( ولا يصرفون إليها كل قلوبهم ) ولا يميلون بالأنس بها كل الميل ، ( حتى تعظم مصيبتهم عند فراقها ) فمن انس بشيء وتعلق به قلبه حزن عند فراقه لا محالة . ( فهذه أمثلة الدنيا وآفاتها وغوائلها ) وقد بقيت للدنيا أمثلة خطرت بالفكر عند كتابتي لهذا الموضع لا بأس بذكرها .