تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 608

مساهمون:

ص٦٠٨
الظهر وبقوا بين ظهراني المفازة ولا زاد ولا حمولة ، فأيقنوا بالهلكة فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم رجل في حلة تقطر رأسه فقالوا : هذا قريب عهد بريف وما جاءكم هذا إلا من قريب ، فلما انتهى إليهم قال : يا هؤلاء ! فقالوا : يا هذا ! فقال : علام أنتم ؟ فقالوا : على ما ترى ، فقال : أرأيتم إن هديتكم إلى ماء رواء ورياض خضر ما تعملون ؟ قالوا : لا نعصيك شيئا . قال : عهودكم ومواثيقكم باللّه فأعطوا عهودهم ومواثيقهم باللّه لا يعصونه شيئا . قال : فأوردهم ماء رواء ورياضا خضرا فمكث فيهم ما شاء اللّه ثم قال : يا هؤلاء ؟ قالوا : يا هذا ! قال : الرحيل ! قالوا : إلى أين ؟ قال : إلى ماء ليس كمائكم وإلى رياض ليست كرياضكم ، فقال أكثرهم : واللّه ما وجدنا هذا حتى ظننا إنا لن نجده وما نصنع بعيش خير من هذا ، وقالت طائفة - وهم أقلهم - : ألم تعطوا هذا الرجل عهودكم ومواثيقكم باللّه أن لا تعصوه شيئا وقد صدقكم في أوّل حديثه فو اللّه ليصدقنكم في آخره فراح فيمن اتبعه وتخلف بقيتهم فبدرهم عدوّ فأصبحوا بين أسير وقتيل » .
شرح
زادهم ( وحسروا الظهر ) أي أعروه وهو كناية عن هلاك ما يركبونه ( وبقوا بين ظهراني المفازة ولا زاد ) لهم ( ولا حمولة ) تبلغهم ، وفي لفظ : فحسر ظهرهم ونفد زادهم وسقطوا بين ظهراني المفازة ( فأيقنوا بالهلكة ) محركة أي الهلاك ، ( فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم رجل في حله يقطر رأسه ) أي مدهنا رأسه غير أشعث ( فقالوا : هذا قريب ) وفي لفظ لحديث : ( عهد بريف ) أي خصب ( وما جاءكم هذا إلا من قريب ، فلما انتهى إليهم قال : يا هؤلاء ) القوم : ( قالوا يا هذا الرجل : قال : على ما أنتم ) ؟ أي على أي حال أنتم ؟ ( فقالوا : على ما ترى ) من الضنك والشدة حسر ظهرنا ونفد زادنا وسقطنا بين يدي ظهراني المفازة لا ندري ما قطعنا منها أكثر أم ما بقي منها . ( قال : أرأيتم إن هديتكم إلى ما وراء ) ككتاب أي ما يرويكم وتصدون منه على الري ( ورياض خضر ما تعملون ؟ قالوا : لا نعصيك شيئا . قال : عهودكم ومواثيقكم باللّه . فاعطوه عهودهم ومواثيقهم باللّه ) أنهم ( لا يعصونه شيئا ) وفي لفظ قال : ما تجعلون لي إن أوردتكم ماء رواء ورياضا خضرا ؟ قالوا : نجعل لك حكمك . قال : تجعلون لي عهودكم ومواثيقكم ألا تعصوني ؟ فجعلوا له عهودهم ومواثيقهم أن لا يعصوه . ( قال : فمال بهم فأوردهم ماء رواء ورياضا خضرا ) كما وعدهم ، ( فمكث فيهم ما شاء اللّه ) أن يمكث ، ( ثم قال : يا هؤلاء ) القوم . ( قالوا : يا هذا ) الرجل : ( قال : الرحيل ) أي ارتحلوا . ( قالوا : إلى أين ؟ قال : إلى ماء ليس كمائكم ورياض ليست كرياضكم ) بل هي أجل وأفخر ، وفي لفظ : ثم قال : هلموا إلى رياض أعشب من رياضكم وماء أروى من مائكم . ( فقال أكثرهم : واللّه ما وجدنا هذا حتى ظننا أنا لن نجده وما تصنع بعيش خير من هذا ) فلم يرتحلوا . ( قال : وقالت طائفة وهم أقلهم ألم تعطوا هذا الرجل عهودكم ومواثيقكم باللّه أن لا تعصوه شيئا وقد صدقكم في أول حديثه ، فو اللّه ليصدقنكم في آخره ؟ فراح فيمن اتبعه ) أي ارتحلوا معه