تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 606

مساهمون:

ص٦٠٦
رميه ولم يجد مكانا لوضعه ، فحمله في السفينة على عنقه وهو متأسف على أخذه وليس ينفعه التأسف . وبعضهم تولج الغياض ونسي المركب وبعد في متفرجه ومتنزهه منه حتى لم يبلغه نداء الملاح لاشتغاله بأكل تلك الثمار واستشمام تلك الأنوار والتفرج بين تلك الأشجار ، وهو مع ذلك خائف على نفسه من السباع وغير خال من السقطات والنكبات ، ولا منفك عن شوك ينشب بثيابه وغصن يجرح بدنه وشوكة تدخل في رجله وصوت هائل يفزع منه وعوسج يخرق ثيابه ويهتك عورته ويمنعه عن الانصراف لو أراد ، فلما بلغه نداء أهل السفينة انصرف مثقلا بما معه ولم يجد في المركب موضعا فبقي في الشط حتى مات جوعا . وبعضهم لم يبلغه النداء وسارت السفينة ، فمنهم من افترسته السباع ، ومنهم من تاه فهام على وجهه حتى هلك ، ومنهم من مات في الأوحال ، ومنهم من نهشته الحيات فتفرقوا كالجيف المنتنة . وأما من وصل إلى المركب بثقل ما أخذه من الأزهار والأحجار ، فقد استرقته وشغله الحزن بحفظها والخوف من فوتها وقد ضيقت عليه مكانه فلم يلبث أن ذبلت تلك الأزهار وكمدت تلك الألوان والأحجار فظهر نتن رائحتها فصارت مع كونها مضيقة
شرح
لإعجابه به ، ( ولم يجد مكانا لوضعه فحمله في السفينة على عنقه وهو متأسف ) نادم ( على أخذه ) من الجزيرة ( وليس ينفعه التأسف . وبعضهم تولج ) تلك ( الغياض ونسي المركب وبعد في متفرجه ومنتزهه منه حتى لم يبلغه نداء الملّاح رئيس السفينة لاشتغاله بأكل تلك الثمار واشتمام تلك الأنوار والتفرج بين تلك الأشجار ، وهو مع ذلك خائف على نفسه من السباع ) العوادي في تلك الجزيرة أن تهم عليه ، ( وغير خال من السقطات والنكبات ، ولا منفك عن شوك يتشبث بثيابه ، وغصن يجرح بدنه ، وشوكة تدخل في رجله ، وصوت هائل يفزع منه ، وعوسج ) وهو شجر شائك ( يخرق ثيابه ويهتك عورته ويمنعه عن الانصراف لموارده ، فلما بلغه نداء أهل السفينة انصرف مثقلا بما معه ولم يجد في المركب موضعا فبقي على الشط حتى مات جوعا . وبعضهم لم يبلغه النداء وسارت السفينة ، فمنهم من افترسته السباع ، ومنهم من تاه على وجهه حتى هلك ، ومنهم من مات في الأوحال ، ومنهم من نهشته الحيات وتفرقوا كالجيف المنتنة ) فلم يغن عنهم حجرهم وزهرهم ، فصاروا كما قال تعالى حكاية عمن هذه حاله :ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ[ الحاقة : 28 ، 29 ] . ( فأما من وصل إلى المركب بثقل ما أخذه من الحجارة المزبرجدة ) والأزهار المزينة ( فقد استرقته ) أي استعبدته ( وشغله الحزن بحفظها والخوف من فوتها وقد ضيقت عليه مكانه فلم يلبث أن ذبلت تلك الأزهار وكمدت ألوان ) تلك ( الأحجار ، فظهر نتن رائحتها