والمتراخي المتأخر يسمى آخرة وهو ما بعد الموت ، فكل مالك فيه حظ ونصيب وغرض وشهوة ولذة عاجل الحال قبل الوفاة فهي الدنيا في حقك ، إلا أن جميع مالك إليه ميل وفيه نصيب وحظ فليس بمذموم بل هو ثلاثة أقسام :
القسم الأوّل : ما يصحبك في الآخرة وتبقى معك ثمرته بعد الموت وهو شيئان : العلم والعمل فقط ، وأعني بالعلم العلم باللّه وصفاته وأفعاله وملائكته وكتبه ورسله وملكوت أرضه وسمائه ، والعلم بشريعة نبيه . وأعني بالعمل العبادة الخالصة لوجه اللّه تعالى ، وقد يأنس العالم بالعلم حتى يصير ذلك ألذ الأشياء عنده فيهجر النوم والمطعم والمنكح في لذته لأنه أشهى عنده من جميع ذلك ، فقد صار حظا عاجلا في الدنيا . ولكنا إذا ذكرنا الدنيا المذمومة لم نعد هذا من الدنيا أصلا بل قلنا أنه من الآخرة ، وكذلك العابد قد يأنس بعبادته فيستلذها بحيث لو منع عنها لكان ذلك أعظم العقوبات عليه حتى قال بعضهم :
شرح
والمتراخي المتأخر يسمى آخرة وهو ما بعد الموت ) وهذا يؤيد قول من قال : إن الدنيا فعلى من الدنو كما سيأتي قريبا للمصنف . ( وكل مالك فيه حظ وغرض ونصيب وشهوة ولذة في عاجل الحال قبل الوفاة فهي الدنيا في حقك إلا أن جميع مالك إليه ميل وفيه نصيب وحظ فليس بمذموم ، بل هو ثلاثة أقسام :
القسم الأول : ما يصحبك في الآخرة ) بعد سفرك من الدنيا ( وتبقى معك ثمرته بعد الموت ) ولا ينقطع ( وهو شيئان العلم والعمل فقط . وأعني بالعلم العلم باللّه وصفاته وأفعاله ) يشير به إلى مراتب التوحيد الثلاثة بأن اللّه واحد في ذاته ، واحد في صفاته ، واحد في أفعاله ، ثم بما يتبع ذلك وإليه أشار بقوله : ( وملائكته وكتبه ورسله ) وبما يليق في حق كل منها حسبما في قواعد العقائد ، ( وملكوت أرضه وسمائه ) بما فيهما من العجائب الدالة على كمال قدرته . ( والعلم بشريعة نبيه ) الذي هو معدود في أمته وكل ما يوصل إلى تحصيل هذه المعلومات فهو داخل فيها . ( وأعني بالعمل العبادة الخالصة لوجه اللّه تعالى ) عن الشك والشرك الخفي بمقتضى علمه بالشريعة التي أمر بإتباعها وهما من اللذات العقلية وهي أشرف اللذات وأقلها وجودا فشرفها أنها لا تمل ولا تتبدل ، ولكن لا يعرفها إلا من تخصص بها كالحكمة لا يستلذها إلا الحكيم .
( وقد يأنس العالم بالعلم حتى يصير ذلك ألذ الأشياء عنده فيهجر النوم والمنكح والمطعم في لذته ) فلا يألف فراش النوم ولا يشتغل بالأكل ويدع زوجته كأنها أرملة ( لأنه ) أي العلم بما ذكر ( أشهى عنده من جميع ذلك ، فقد صار حظا عاجلا في الدنيا . ولكنا إذا ذكرنا الدنيا المذمومة لم نعد هذا من الدنيا أصلا ، بل قلنا أنه من الآخرة ) كيف وغالب من مضى من صالحي السلف هكذا لأن شأنهم حيث شغلتهم معرفة اللّه تعالى عن كثير من اللذات البدنية ، وحتى عن كثير من اللذات المتوسطة بينها وبين العقلية . ( وكذلك العابد قد يأنس بعبادته فيستلذها