عليه مؤذية له بنتنها ووحشتها فلم يجد حيلة إلا أن ألقاها في البحر هربا منها ، وقد أثر فيه ما أكل منها فلم ينته إلى الوطن إلا بعد أن ظهرت عليه الأسقام بتلك الروائح فبلغ سقيما مدبرا . ومن رجع قريبا ما فاته إلا سعة المحل فتأذى بضيق المكان مدة ولكن لما وصل إلى الوطن استراح ومن رجع أولا وجد المكان الأوسع ووصل إلى الوطن سالما ، فهذا مثال أهل الدنيا في اشتغالهم بحظوظهم العاجلة ونسيانهم موردهم ومصدرهم وغفلتهم عن عاقبة أمورهم ، وما أقبح من يزعم أنه بصير عاقل أن تغره أحجار الأرض وهي الذهب والفضة وهشيم النبت وهي زينة الدنيا وشيء من ذلك لا يصحبه عند الموت بل يصير كلا ووبالا عليه وهو في الحال شاغل له بالحزن والخوف عليه . وهذه حال الخلق كلهم إلا من عصمه اللّه عز وجل .
( مثال آخر لاغترار الخلق بالدنيا وضعف إيمانهم ) : قال الحسن رحمه اللّه : بلغني أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال لأصحابه : « إنما مثلي ومثلكم ومثل الدنيا كمثل قوم سلكوا مفازة غبراء حتى إذا لم يدروا ما سلكوا منها أكثر أو ما بقي ، أنفدوا الزاد وخسروا
شرح
فصار مع كونها مضيقة عليه مؤذية له بنتنها ووحشتها فلم يجد حيلة إلا أن ألقاها في البحر هربا منها ، وقد أثر فيه ما أكل منها فلم ينته إلى الوطن إلّا بعد ما ظهرت عليه الأسقام بتلك الروائح ) المنتنة ( فبلغ سقيما مدنفا ) ناحل البدن ( مدبرا ) قد أدبرت عنه العافية . ( ومن رجع قريبا ما فاته إلا سعة المحل فتأذى بضيق المكان مدة ، ولكن لما وصل إلى الوطن استراح ، ومن رجع أوّلا وجد المكان الأوسع ووصل إلى الوطن سالما ) من الأثقال والأشغال . ( فهذا مثال أصناف أهل الدنيا في اشتغالهم بحظوظهم العاجلة ونسيانهم موردهم ومصدرهم وغفلتهم على عاقبة أمرهم ، وما أقبح من يزعم ) في نفسه ( أنه بصير عاقل أن تغره أحجار الأرض وهي الذهب والفضة ) فإنهما ينبتان في المعادن كما تنبت بقية الأحجار ، ولولا تسنى الحاجات بهما لكانا هما والأحجار سواء في القدر ( وهشيم النبت وهي زينة الدنيا ) وزخرفها ( وشيء من ذلك لا يصحبه عند الموت بل يصير كلا ) أي ثقلا ( ووبالا عليه ، وهو في الحال شاغل بالحزن والخوف عليه . وهذه حال الخلق كلهم إلا من عصمه اللّه تعالى ) . فرأس المعاصي كلها حب الدينار والدرهم فمن أسقط حبهما فقد استراح باله ، واللّه الموفق .
( مثال آخر لاغترار الخلق بالدنيا وضعف إيمانهم ) بقول اللّه تعالى في تحذيره إياهم غوائل الدنيا ودواهيها : ( قال الحسن ) البصري رحمه اللّه تعالى : ( بلغني أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال لأصحابه : « إنما مثلي ومثلكم ومثل الدنيا كمثل قوم سلكوا مفازة غبراء ) أي لانبات بها ولا ماء ( حتى إذا لم يدروا ما سلكوا منها أكثر أو ما بقي ) منها ( أنفدوا الزاد ) أي فني