بيان حقيقة الدنيا وماهيتها في حق العبد :
اعلم أن معرفة ذم الدنيا لا تكفيك ما لم تعرف الدنيا المذمومة ما هي ؟ وما الذي ينبغي أن يجتنب منها وما الذي لا يجتنب فلا بدّ وأن نبين الدنيا المذمومة المأمور باجتنابها لكونها عدوة قاطعة لطريق اللّه ما هي ؟ فنقول : دنياك وآخرتك عبارة عن حالتين من أحوال قلبك ، فالقريب الداني منهما يسمى دنيا وهو كل ما قبل الموت ،
شرح
قولا ولا ترى وجها ، وقد اعتزل عنها قوم قليلو العدد وقعدوا على حجرة وهي تولي في كل ساعة قبضة مما في حجرها واحدا من القوم لا تخص ، بل ربما تخطئهم وربما تعطيهم كأنها المعنية لهم بقول الشاعر :لا تمدحن ابن عباد وإن كثرت * كفاه جودا ولا تذممه إن ردما
فليس ينحل إبقاء على نشب * ولن يجود بفضل المال معتزما
لكنها خطرات من وساوسه * يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرماوتارة تعرج على من أعطته فتسلبه سلبا وتدوسه دوسا بحجرها .
مثال آخر للدنيا هي بمنزلة خان قد بنى على قارعة الطريق ومقتنياتها آلات موضوعة فيه يصلح الانتفاع بها ما دام المسافر نازلا في ذلك الخان ، فيتناول منها مقدار الكفاية ويتسلى عنها عند الراحلة ، ويستهجن بنفسه أن يكذب أو يغضب ويحزن يرتكب القبائح في سببها . وهذا المثال قد يستنبط من آخر الأمثلة التي ذكرها المصنف ، ولكن تشبهها بالخان للمسافر أقعد من تشبيهها بدار الضيافة وإن كان مآلهما أي محصلهما واحدا فتأمل .
مثال آخر للدنيا هي بمنزلة صديقك الذي يظهر لك الصداقة في الظاهر ويحفر وراءك ليوقعك في الهلاك فهي تغر بزينتها لمن أقبل عليها وأحبها ، ولكنها في الباطن تختله وتورده موارد الهلاك ، فهي عدوة محبوبة وإياه عنى أبو نواس بقوله :إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت * له عن عدوّ في ثياب صديقوروي عن الحسن قال : ما مثلنا مع الدنيا إلا كما قال كثير :أسيئي بنا أو أحسني لا ملامة * لدينا ولا مقلية إن تقلت