( مثال آخر للدنيا وأهلها في اشتغالهم بنعيم الدنيا وغفلتهم عن الآخرة وخسرانهم العظيم بسببها ) : اعلم أن أهل الدنيا مثلهم في غفلتهم مثل قوم ركبوا سفينة فانتهت بهم إلى جزيرة فأمرهم الملّاح بالخروج إلى قضاء الحاجة وحذرهم المقام وخوّفهم مرور السفينة واستعجالها ، فتفرقوا في نواحي الجزيرة فقضى بعضهم حاجته وبادر إلى السفينة فصادف المكان خاليا فأخذ أوسع الأماكن وألينها وأوفقها لمراده ، وبعضهم توقف في الجزيرة ينظر إلى أنوارها وأزهارها العجيبة وغياضها الملتفة ونغمات طيورها الطيبة وألحانها الموزونة الغريبة وصار يلحظ من بريتها أحجارها وجواهرها ومعادنها المختلفة الألوان والأشكال الحسنة المنظر العجيبة النقوش السالبة أعين الناظرين بحسن زبرجدها وعجائب صورها ، ثم تنبه لخطر فوات السفينة فرجع إليها فلم يصادف إلا مكانا ضيقا حرجا فاستقرّ فيه . وبعضهم أكبّ على تلك الأصداف والأحجار وأعجبه حسنها ولم تسمح نفسه بإهمالها فاستصحب منها جملة ، فلم يجد في السفينة إلا مكانا ضيقا وزاده ما حمله من الحجارة ضيقا وصار ثقيلا عليه ووبالا ، فندم على أخذه ولم يقدر على
شرح
منع فيه من ضرب المثل ، ومثل الدنيا بالذي يعلق بالإصبع من البحر تقريبا للعوام في احتقار الدنيا ، وإلّا فالدنيا كلها في جنب الجنة ودوامها أقل ، لأن البحر يفنى بالقطرات والجنة لا تبيد ولا ينفد نعيمها ، بل يزيد للواحد من العبيد ، فكيف بجميع أهل التوحيد ؟
( مثال آخر للدنيا وأهلها في اشتغالهم بنعيم الدنيا وغفلتهم عن الآخرة وخسرانهم العظيم بسببها : اعلم ) وفقك اللّه تعالى ( أن أهل الدنيا في غفلتهم مثلهم مثل قوم ركبوا في سفينة ) ليجوزوا عليها إلى وطنهم ، ( فانتهت بهم إلى جزيرة ) في البحر ذات أساود وأسود فأرست هناك ، ( فأمرهم الملّاح بالخروج ) منها ( لقضاء الحاجة ) والتفسح ، ( وحذّرهم ) أي خوّفهم ( المقام ) أي الإقامة والمكث في الجزيرة إلا قدر قضاء الحاجة ، ( وخوّفهم مرور السفينة واستعجالها ) فخرجوا منها ، ( فتفرقوا في نواحي الجزيرة فقضى بعضهم حاجته وبادر إلى السفينة فصادف المكان خاليا فأخذ ) لنفسه ( أوسع الأماكن وألينها وأوفقها لمراده ، وبعضهم توقف في الجزيرة ونظر إلى أزهارها وأنوارها ) العجيبة وغياضها الملتفة الأشجار ، ( ونغمات طيورها الطيبة وألحانها الموزونة الغريبة ، وصار يلحظ من بريتها أحجارها وجواهرها ومعادنها المختلفة الألوان والأشكال الحسنة المنظر العجيبة النقوش السالبة أعين الناظرين لحسن زبرجدها ) أي زينتها ( وعجائب صورها ، ثم تنبه لخطر فوات السفينة فرجع إليها فلم يصادف ) فيها ( إلا مكانا ضيقا حرجا فاستقرّ فيه ، وبعضهم أكب على تلك الأصداف والأحجار فأعجبه حسنها ولم تسمح نفسه بإهمالها ) أي تركها ( فاستصحب منها جملة ) فأتى بها إلى السفينة ، ( فلم يجد في السفينة إلا مكانا ضيقا وزاده ما حمله من الحجارة ضيقا وصار ثقلا عليه ووبالا ، فندم على أخذه ولم يقدر على رميه )