بشير بن كعب يقول : انطلقوا حتى أريكم الدنيا فيذهب بهم إلى مزبلة فيقول : انظروا إلى ثمارهم ودجاجهم وعسلهم وسمنهم .
( مثال آخر في نسبة الدنيا إلى الآخرة ) : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « ما الدنيا في الآخرة إلا كمثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر أحدكم بم يرجع إليه » .
شرح
مشاهدة ذوي الألباب الذي فهموا عن اللّه تعالى باطن الخطاب من قوله تعالى :وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ[ الذاريات : 21 ] قيل : مجاري الطعام والشراب إلى ما يؤول فيزهدون في أوّله إذ قد كوشفوا بآخره .
( وكان بشيّر ) مصغرا ( ابن كعب ) بن أبي الحميري العدوي ، أبو أيوب البصري مخضرم . قال النسائي وابن سعد : ثقة احتفر قبرا في طاعون الجارف فقرأ فيه القرآن ، فلما مات دفن فيه . ذكره مسلم في مقدمة كتابه ، وروى له الباقون ( يقول : انطلقوا حتى أريكم الدنيا فيذهب بهم إلى السوق وهي مزبلة فيقول : انظروا إلى ثمارهم ودجاجهم وعسلهم وسمنهم ) نقله صاحب القوت قال : وفي حديث الحسن مرّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على مزبلة فقال : « من سرّه أن ينظر إلى الدنيا بحذافيرها فلينظر إلى هذه المزبلة » قال : وروي عن عمر أنه مر بمزبلة فاحتبس عندها فكان أصحابه تأذوا من ذلك فقال : هذه دنياكم التي تحرصون عليها .
( مثال آخر في نسبة الدنيا إلى الآخرة ) أي أنها حقيرة : ( قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « ما الدنيا في الآخرة ) أي في جنبها وبالإضافة إليها وهو حال عاملها معنى النفي وقد يقدر أي ما قدر الدنيا واعتبارها فهو العامل ( إلا كمثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم ) أي البحر ( فلينظر أحدكم بم يرجع إليه ) فإنه لا يجدي لواجديه ولا يضر فقده لفاقديه » . أخرجه أبو نعيم في الحلية قال : أخبرت عن سهل بن السري البخاري واذن له في الرواية عنه قال : حدثنا محمد بن علي بن سهل ، حدثنا النضر بن سلمة ، حدثنا إبراهيم بن الأشعث ، عن فضيل بن عياض ، عن سليمان الشيباني وبيان بن بشر عن قيس بن أبي . حازم عن المستورد بن شداد قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم :
« ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع » قال أبو نعيم : وهو غريب من حديث فضيل عن سليمان وصححه . ورواه إسماعيل بن زيد : حدّثنا إبراهيم بن الأشعث ، حدثنا فضيل ، عن إسماعيل بن خالد ، عن قيس ، عن المستورد عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم اه .
ورواه الحاكم في المستدرك عن المستورد قال : كنا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فتذاكروا في الدنيا والآخرة فقال بعضهم : إنما الدنيا بلاغ للآخرة فيها العمل ، وقالت طائفة : الآخرة فيها الجنة .
وقالوا : ما شاء اللّه . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « ما الدنيا في الآخرة إلا كما يمشي أحدكم إلى اليم فأدخل أصبعه فيه فما خرج منه فهو الدنيا » قال الحاكم : صحيح ، وأقره الذهبي .
ثم اعلم أن المثل إنما يضرب عن غائب بحاضر يشبه من بعض وجوهه أو معظمها وما لا شبه له