ثم عقلها وطرح عنه ثوبين كانا عليه وأخرج من العيبة ثوبين حسنين فلبسهما . وذلك بعين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يرى ما يصنع ، ثم أقبل يمشي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام : « إن فيك يا أشج خلقين يحبهما اللّه ورسوله » قال : ما هما بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه ؟ قال : « الحلم والأناة » فقال : خلتان تخلقتهما أو خلقان جبلت عليهما ؟ فقال :
« بل خلقان جبلك اللّه عليهما » . فقال : الحمد للّه الذي جبلني على خلقين يحبهما اللّه
شرح
هنا أن المراد بالأحلام جمع الحلم بالكسر أي أصحاب هذه الصفة أي أهل الوقار والسكينة وهم أشراف الصحابة وسابقوهم ، ويدل على ذلك حديث ابن مسعود عند الحاكم : « ليلني منكم الذين يأخذون عني » يعني الصلاة أي لشرفهم ومزيد فضلهم وعلى هذا فلا يكون في الحديث تكرار . قال العراقي : رواه مسلم من حديث أبي مسعود دون قوله : ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم فهي عند أبي داود والترمذي وحسنه ، وهي عند مسلم في حديث آخر لأبي مسعود ا ه .
قلت : وكذلك رواه عبد الرزاق والنسائي وابن ماجة والحاكم وقال : هو على شرط البخاري وقال الترمذي في العلل : سألت البخاري عن هذا الحديث فقال : أرجو أن يكون محفوظا ، ورواه أحمد وابن حبان والطبراني والنسائي من حديث ابن مسعود .
( وروي أنه وفد إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم الأشج ) العبدي ويقال له أشج عبد القيس واشج بني عصر مشهور بلقبه واسمه المنذر بن عابد بن الحرث . قال الواقدي : كان قدوم الأشج ومن معه سنة عشر من الهجرة وقيل سنة ثمان قبل فتح مكة ، ( فأناخ راحلته ثم عقلها ) أي حبسها بعقال ، ( ثم طرح عنه ثوبين كانا عليه ، وأخرج من العيبة ) وهي شبه الخرج ( ثوبين حسنين أبيضين فلبسهما ، وذلك بعين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ما يصنع ) أي بمرأى منه ، وكان قد تخلف عن أصحابه وهو أصغرهم سنا وهم أقبلوا بثياب سفرهم ، فقابلوا النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ( ثم أقبل يمشي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ) فقبّل يده ( فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « يا أشج ) ناداه بلقبه المشهور به ( إن فيك خلقين ) بضمتين وفي رواية لخصلتين مثنى خصله ( يحبهما اللّه ورسوله » . فقال : ما هما بأبي أنت وأمي ؟ فقال :
« الحلم ) بالكسر أي العقل ( والإناة ) بالكسر أي التثبت وعدم العجلة ( فقال ) يا رسول اللّه :
( خلقان تخلقتهما ) أي تكلفتهما ( أو خلقان جبلتهما ) أي جبلني اللّه عليهما ؟ ( قال : « بل خلقان جبلك اللّه عليهما » . فقال : الحمد للّه الذي جبلني على خلقين يحبهما اللّه ورسوله ) وهذا لا يناقضه النهي عن مدح المؤمن في وجهه فإن ما كان من النبوة فهو وحي والوحي لا يجوز كتمه أو أنه صلّى اللّه عليه وسلم علم من حاله أنه لا يلحقه به الإعجاب ، فأخبره بذلك ليزداد لزوما ويشكر اللّه على ما منحه . قال العراقي : متفق عليه .
قلت : ورواه مسلم في الإيمان والترمذي في البر من حديث ابن عباس ، ورواه أحمد من حديث الوازع . ورواه ابن ماجة من حديث أبي سعيد إلا أنه قال : التؤدة بدل الإتاءة وهي بمعناها .