عن الرهابين أنهم قد يردون أنفسهم إلى مقدار درهم من الطعام .
الدرجة الثانية : أن يرد نفسه بالرياضة في اليوم والليلة إلى نصف مد وهو رغيف وشيء مما يكون الأربعة منه منا . ويشبه أن يكون هذا مقدار ثلث البطن في حق الأكثرين - كما ذكر النبي صلّى اللّه عليه وسلم - وهو فوق اللقيمات لأن هذه الصيغة في الجمع للقلة فهو
شرح
الشعير بدرهم ويعمل منه ثلاثمائة وستين رغيفا فيفطر كل ليلة على رغيف وذكر صاحب القوت أيضا في موضع آخر من كتابه ما لفظه : وحدثونا عن سهل أنه سئل كيف كان في بدايته فأخبر بضروب من الرياضات : منها كان يقتات ورق النبق مدة ، ومنها أنه أكل دقاق التبن ثلاث سنين ، ثم ذكر أنه اقتات ثلاثة دراهم في ثلاث سنين ، قيل : وما هو ؟ قال : كنت أشتري في كل سنة بدانقين تمرا وأربعة دوانق كسبا ثم أعجنها عجنة واحدة ثم أخبزها ثلاثمائة وستين كبة أفطر كل ليلة على كبة . قال : فقلت له فكيف أنت في وقتك هذا ؟ قال : آكل بلا حد ولا توقيت اه ولعل باعتبار الأوقات والأحوال .
( وحكي عن بعض الرهابين ) جمع رهبان جمع راهب وهو عابد الدير ( إنهم قد يردون أنفسهم إلى قدر درهم من الطعام ) وهذا كما فعل سهل رحمه اللّه تعالى في الرواية الثانية .
( الدرجة الثانية : أن يرد نفسه بالرياضة في اليوم والليلة إلى نصف مد ) والمد هو رطل وثلث بالبغدادي عند أهل الحجاز فهو ربع صاع لأن الصاع خمسة أرطال وثلث . وعند أهل العراق المد رطلان كما في المصباح ، ( وهو رغيف وشيء ) إذا كان كل رغيف نصف رطل وشيئا ( مما يكون الأربعة منه منا ) بالتشديد وهو لغة تميم وهو ما يوزن به رطلان لكن يزيد ثلثين ونصف ثلث إذ نصف المد هو نصف رطل ونصف الثلث فتأمل . ( ويشبه أن يكون هذا مقدار ثلث البطن في حق الأكثرين كما ذكر النبي صلّى اللّه عليه وسلم ) ثلث للطعام وثلث الشراب وثلث للنفس ، ( وهو فوق اللقيمات ) لأنه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن » فدل على أن ما نقص من ملء البطن فهو خير ، ثم قال : « حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه » ثم ترقى فقال : « وإن كان ولا بد فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس » . فعلم من ذلك أنه رتبة فوق رتبة اللقيمات ( لأن هذه الصيغة في الجمع ) بالألف والتاء ( للقلة وهو لما دون العشرة ) من العدد ، وفيه أيضا مع التقليل التصغير لأن لقيمة تصغير لقمة وفي القوت معنى الحديث فثلث للطعام أن يأكل شبعه المعتاد فيصير ثلث الشبع قوام الجسم باعتياد ثان ، كما كان ملء البطن من الشبع هو العادة الأولى ، وثلث الشبع هو ثمان أواق . فهذا على معنى الخبر الآخر : طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة ، وفي هذا خمسة أوجه . قال بعض علمائنا البصريين : طعام الواحد شبعا يكفي الاثنين قوتا ، وطعام الاثنين شبعا يكفي الأربعة قوتا ، ومنهم من قال : طعام المسلم يكفي مؤمنين وطعام مسلمين يكفي أربعة من خصوص المؤمنين ، ويجوز أن يكون طعام الواحد من المنافقين يكفي المسلمين على معنى قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « المؤمن يأكل في معي واحد والمنافق في سبعة أمعاء »