تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 407

مساهمون:

ص٤٠٧
[ النور : 2 ] بل من فقد الغضب عجز عن رياضة نفسه ، إذ لا تتم الرياضة إلا بتسليط الغضب على الشهوة ، حتى يغضب على نفسه عند الميل إلى الشهوات الخسيسة . ففقد الغضب مذموم ، وإنما المحمود غضب ينتظر إشارة العقل والدين ، فينبعث حيث تجب الحمية وينطفئ حيث يحسن الحلم ، وحفظه على حد الاعتدال هو الاستقامة التي كلف اللّه بها عباده وهو الوسط الذي وصفه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حيث قال : « خير الأمور أوساطها » فمن مال غضبه إلى الفتور حتى أحس من نفسه بضعف الغيرة وخسة النفس في احتمال الذل والضيم في غير محله ، فينبغي أن يعالج نفسه حتى يقوى غضبه ، ومن مال غضبه إلى الإفراط حتى جرّه إلى التهوّر واقتحام الفواحش فينبغي أن يعالج نفسه لينقص من سورة الغضب ويقف على الوسط الحق بين الطرفين ، فهو الصراط المستقيم وهو أرق من
شرح
الحديث ، ولفظهم : « خيار أمتي احداؤهم » وقد يشتد على كثيرين الحدة بسوء الخلق ، والفارق المميز هو الذي ختم به الحديث ، فالرجوع والصفاء هو الفارق ، وصاحب الخلق السوء يحقد ، وصاحب الحدة لا يحقد والغالب أنه لا يغضب إلا للّه ، ومما يشهد للحديث ما رواه أبو يعلى والطبراني عن ابن عباس رفعه : « الحدة تعتري خيار أمتي » وفي مسند الحسن بن سفيان من حديث أبي منصور الفارسي وله صحبة قيل له : لولا حدة فيك ! فقال : ما يسرني بحدتي كذا وكذا ، وقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إن الحدة تعتري خيار أمتي » وكذا أخرجه البغوي في هجر الصحابة ، وأبو نعيم في الحلية ، ولكن رواه المستغفري فقال عن يزيد بن أبي منصور وكانت له صحبة بدلا عن أبي منصور والأولى أكثر . ( وقال تعالى :وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما) أي بالزاني والزانية في حدهما ( رأفة في دين اللّه ) أي شدة رحمة وهو دليل لذم التفريط ( بل من فقد الغضب عجز ، عن رياضة نفسه ) وتهذيبها ، ( إذ تتم الرياضة بتسليط الغضب على الشهوة حتى يغضب على نفسه عند الميل إلى الشهوات الخسيسة ، ففقد الغضب ) من أصله ( مذموم ، وإنما المحمود ) الإقتصاد منه وهو ( غضب ينتظر إشارة العقل والدين ، فينبعث حيث تجب الحمية وينطفئ ) ويقل ( حيث يحسن الحلم ، وحفظه على حدّ الإعتدال هو الاستقامة التي كلف اللّه بها عباده ) وقد تقدم أن المراد بالاستقامة عندهم الوفاء بالعهود ولزوم الصراط المستقيم برعاية حظ الاستواء في كل أمر ديني ودنيوي ، ( وهو الوسط الذي وصفه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حيث قال : « خير الأمور أوساطها » . ) رواه البيهقي من حديث مطرف مرسلا ، ورواه الحافظ أبو بكر الجياني في الأربعين البلدانية من حديث علي بسند ضعيف ، وقد تقدم الكلام على ذلك . ( فمن مال غضبه إلى الفتور حتى أحس من نفسه بضعف الغيرة وخسة النفس في احتمال الذل والضيم في غير محله ، فينبغي أن يعالج نفسه حتى يقوي غضبه . ومن مال غضبه إلى الإفراط حتى جرّه إلى التهور واقتحام الفواحش فينبغي أن يعالج نفسه لينقص من سورة الغضب ويقف على الوسط الحق بين الطرفين ، فهو الصراط المستقيم ) المذكور في سورة الفاتحة ( وهو أرقّ من الشعر