تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 399

مساهمون:

ص٣٩٩
بيان حقيقة الغضب : اعلم أن اللّه تعالى لما خلق الحيوان معرضا للفساد والموتان ، بأسباب في داخل بدنه وأسباب خارجة عنه ؛ أنعم عليه بما يحميه عن الفساد ويدفع عنه الهلاك إلى أجل معلوم سماه في كتابه . أما السبب الداخل : فهو إنه ركبه من الحرارة والرطوبة ؛ وجعل بين الحرارة والرطوبة عداوة ومضادة ، فلا تزال الحرارة تحلل الرطوبة وتجففها وتبخرها حتى تصير أجزاؤها بخارا يتصاعد منها ، فلو لم يتصل بالرطوبة مدد من الغذاء يجبر ما انحل وتبخر من
شرح
وهب قال : قرأت في الحكمة : للكفر أربعة أركان : ركن منه الغضب ، وركن منه الشهوة ، وركن منه الطمع ، وركن منه الخرق .

بيان حقيقة الغضب

( أعلم ) هداك اللّه ( أن اللّه تعالى لما خلق الحيوان معرضا للفساد والموتان ) بالضم هو الهلاك الذريع ( بأسباب في داخل بدنه وأسباب خارجة عنه ، أنعم عليه بما يحميه عن الفساد ) أي يحفظه عنه ( ويدفع عنه الهلاك إلى أجل معلوم ) مقدر محتوم ( سماه في كتابه ) وهو اللوح المحفوظ . ( أما السبب الداخل فهو أنه ركبه من الرطوبة والحرارة ) وجعلهما حافظين لكمالات البدن وكل منهما يوصف بالغريزية والحرارة الغريزية حتى السارية في سائر البدن التي بها النضج والطبخ وسائر الأفعال ، وفي المعدة جزء منها به الهضم المعدي ونفض الفضول ، وفي الكبد جزء منها وكذا في العروق ، وفي القلب معظمها إذ هو معدنها ومستوقدها ومادتها الدم الوارد من الكبد على البطن الأيمن من القلب ، فيتغير فيه إلى البخارية ثم يستحيل إلى طبيعة الروح في البطن الأيسر منه ويحصل له مزاج يستعد لقبول التولد ، وكذا في سائر الأعضاء ، ولأجل أنها آلة الطبيعة في أفعالها كالجذب والهضم وغير ذلك ينسب إليها كشحدائيه البدن ، ويقال : حرارة غريزية . وأفلاطون يسميها النار الإلهية ، ولا يقال برودة غريزية ، ولأن مركبها الرطوبة دون اليبوسة يقال رطوبة غريزية ولا يقال يبوسة غريزية ، ثم اختلفوا فيها فقال جالينوس : إنها الحرارة الاستقهية النارية التي في البدن ، وأما الجزء الناري إذا خالط سائر الإستقصاة أفادها طبخا وقواما والتئاما ، ولم يبلغ في الكثرة إلى حدّ الإحراق ولا من القلة إلى القصور عن الإنضاج ، وأنها كما تدفع البارد الوارد على البدن المركب بالمضادة تدفع أيضا الحار الغريب الوارد المركب . وقال أرسطو وجمهور المتأخرين : إنها حرارة سماوية أفيضت على البدن مع فيضان النفس ولكل منهما أدلة ذكرت في مواضعها من كتب الفن ، ( وجعل بين الحرارة والرطوبة عداوة ومضادة ، فلا تزال الحرارة تحلل الرطوبة وتجففها وتبخرها حتى تصير أجزاؤها بخارا يتصاعد منها ، فلو لم يتصل بالرطوبة مدد من