تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
الأئمة المهديون ، والسادة المرضيون ، صلاة يوازي عددها عدد ما كان من خلق اللّه وما سيكون ، ويحظى ببركتها الأوّلون والآخرون ، وسلم تسليما كثيرا . أما بعد ؛ فإن الغضب شعلة نار اقتبست من نار اللّه الموقدة التي تطلع على الأفئدة ، وإنها لمستكنة في طي الفؤاد ، استكنان الجمر تحت الرماد ، ويستخرجها الكبر الدفين في قلب كل جبار عنيد ، كاستخراج الحجر النار من الحديد ، وقد انكشف للناظرين بنور اليقين ، أن الإنسان ينزع منه عرق إلى الشيطان اللعين ، فمن استفزته نار الغضب فقد قويت فيه قرابة الشيطان حيث قال :
خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ
[ الأعراف : 12 ] فإن شأن الطين السكون والوقار ، وشأن النار التلظي والاستعار ، والحركة
شرح
( النبيون ) إذ هو صلّى اللّه عليه وسلم قائد جيش الأنبياء والمرسلين وبيده لواء الحمد ، ( وعلى آله وأصحابه الأئمة ) جمع إمام وهو كل من يقتدي به ( المهديون ) جمع مهدي وهو من اهتدى إلى طريق الحق بهداية اللّه تعالى واكتفى به عن الهادين ، إذ كل مهدي في نفسه يتصوّر منه أن يكون هاديا لغيره ، وأما الهادي فقد يهدي غيره ، ولا يهتدي بنفسه ( والسادة المرضيون ) أي المقبولون عند اللّه وقد ثبت رضا اللّه عنهم بنص القرآن ( صلاة يوازي ) أي يقابل ( عددها عدد ما كان من خلق اللّه ) فيما مضى ( وما سيكون ) في الحال والآتي ولا يحيط بعدد ذلك إلا من خلقهم ، ( ويحظى ببركتها الأولون ) من الأمم الماضية ( والآخرون ) اللاحقون بهم والخطوة بالضم والكسر رفعة المنزلة ( وسلم ) تسليما ( كثيرا ) . ( وأما بعد ؛ فإن الغضب شعلة نار ) الإضافة بيانية أي شعلة من نار ( اقتبست من نار اللّه الموقدة ) التي أوقدها اللّه وما أوقده لا يقدر أن يطفئه غيره ( التي تطلع ) أي تعلو ( على الأفئدة ) أي على أوساط القلوب وتشتمل عليها وتخصيصها بالذكر لأن الفؤاد ألطف ما في البدن وأشد تألما أو لأنه منشأ الأعمال القبيحة ، ( وأنها لمستكنة ) أي المخفية ( في طيّ الفؤاد ) أي داخل القلب ( استكنان الجمر ) أي خفاءه ( تحت الرماد ) وهو اسم لما خمد من النار ( ويستخرجها الكبر ) المحيط بالكبد ( الدفين في قلب كل جبار عنيد ) أي ظالم معاند ، فالقوّة تظهرها والعجز يخفيها ( كما يستخرج الحجر النار من الحديد ) وأصل الكلام كما يستخرج الحديد النار من الحجر والمراد به حجر القداح فإذا ضرب الحديد عليه خرجت النار . ( وقد انكشف للناظرين بنور اليقين ) حقائق الأشياء على ما هي عليها ، ومن ذلك ( أن الإنسان ينزع منه عرق إلى الشيطان اللعين ) يقال نزعه عرق منه إذا جذبه إليه وأشبهه ، ومنه الخبر : العرق نزاع ، وفي لفظ : دساس ( فمن استفزته نار الغضب ) أي استخفته ( فقد قويت فيه قرابة الشيطان حيث قال :خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ *) وكذا قوله تعالى :وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ[ الرحمن : 15 ] فمن هنا ظهرت القرابة ، ( فإن شأن الطين السكون والوقار ) واللصوق إلى الأرض ، وإذا رمي به إلى العلو فلا بدّ له من نزول إلى تحت ،