الحمد للّه الذي لا يتكل على عفوه ورحمته إلا الراجون ، ولا يحذر سوء غضبه وسطوته إلا الخائفون ، الذي استدرج عباده من حيث لا يعلمون ، وسلط عليهم الشهوات وأمرهم بترك ما يشتهون ، وابتلاهم بالغضب وكلفهم كظم الغيظ فيما يغضبون ، ثم حفهم بالمكاره واللذات وأملى لهم لينظر كيف يعملون ، وامتحن به حبهم ليعلم صدقهم فيما يدّعون ، وعرفهم أنه لا يخفى عليه شيء مما يسرون وما يعلنون ، وحذرهم أن يأخذهم بغتة وهم لا يشعرون ، فقال :
ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ
[ يس :
49 ، 50 ] والصلاة على محمد رسوله الذي يسير تحت لوائه النبيون ، وعلى آله وأصحابه
شرح
( الحمد للّه الذي لا يتكل على عفوه ورحمته إلا الراجون ) الإتكال هو الاعتماد أي لا يعتمد الراجون إلا على عفوه ورحمته ولولا عفوه ورحمته ما تمّ لهم مقام الرجاء ، ( ولا يحذر سوء غضبه وسطوته إلا الخائفون ) أي لا يخشى الخائفون إلا سطوته وغضبه وبه تم لهم مقام الخوف ، فالمؤمن بين رجاء وخوف ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ[ الإسراء : 57 ] وقدم الرجاء نظرا لعموم رحمته وشمول عفوه ، فقد ورد : سبقت رحمتي غضبي .
( الذي استدرج عباده ) أي أخذهم قليلا قليلا على الإمهال ( من حيث لا يعلمون ) أشار به إلى قوله تعالى في آخر الأعراف :وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ[ الأعراف : 182 ] ( وسلّط عليهم الشهوات ) وهي كل ما تنزع إليه النفوس فيما تريده ولا تتمالك منه ، ( وأمرهم بترك ما يشتهون ) واجتناب ما إليه ينزعون ( وابتلاهم بالغضب ) وهو تغير يحصل عند ثوران دم القلب لإرادة الانتقام ، ( وكلفهم كظم الغيظ ) أي كفه وستره والغيظ أشد الحمق وكظمه الإمساك في النفس على صفح أو غيظ ( فيما يغضبون ثم حفهم بالمكاره ) جمع مكروه وهو كل ما فيه قبح أو مشقة وحفهم أحاط بهم ، ( واللذات ) جمع لذة وهي إدراك الملائم من حيث هو ملائم وقيد الحيثية للإحتراز من إدراك الملائم لا من حيث ملاءمته ، فليس بلذة كالدواء النافع المر فإنه ملائم من حيث أنه نافع لا من حيث أنه لذيذ ، ( وأملى لهم ) أي أمهل ( لينظر كيف يعملون وامتحن به حبهم ليعلم صدقهم فيما يدعون ) هل هم صادقون في دعوى حبهم أم كاذبون ، ( وعرفهم ) على ألسنة رسله الكرام ( أنه لا يخفى عليه شيء مما يسرون ) أي يخفونه ( ويعلنون ) أي يظهرونه ( وحذرهم ) أي خوّفهم ( بأن يأخذهم بغتة ) أي فجأة على غفلة ( وهم لا يشعرون ) أشار به إلى قوله تعالى : فأخذتهمالسَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ( فقال :ما يَنْظُرُونَ) أي ما ينتظرون ( إلا صيحة واحدة ) وهي النفخة الأولى ( تأخذهم وهم يخصمون * ) أي يختصمون في أحوالهم لا يخطر ببالهم أمر ما ( فلا يستطيعون توصية ) في شيء من أمورهم ( ولا إلى أهلهم يرجعون ) فيروا حالهم بل يموتون حيث نبعثهم ، ( والصلاة على ) سيدنا ( محمد رسوله الذي يسير تحت لوائه ) يوم القيامة