تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
أسلم له من أن يتكلم في العلم لا سيما فيما يتعلق باللّه وصفاته ، وإنما شأن العوام والاشتغال بالعبادات والإيمان بما ورد به القرآن والتسليم بما جاء به الرسل من غير بحث وسؤالهم عن غير ما يتعلق بالعبادات سوء أدب منهم يستحقون به المقت من اللّه عز وجل ويتعرضون لخطر الكفر ، وهو كسؤال ساسة الدواب عن أسرار الملوك وهو موجب للعقوبة . وكل من سأل عن علم غامض ولم يبلغ فهمه تلك الدرجة فهو مذموم ، فإنه بالإضافة إليه عامي ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم : « ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم » .
شرح
فهي أسلم له من أن يتكلم في العلم ) لعدم أهليته ، ( لا سيما فيما يتعلق باللّه وصفاته وإنما شأن العوام الاشتغال بالعبادات ) الظاهرة ، ( والإيمان بما ورد به القرآن والتسليم لما جاء به الرسل ) عليهم السلام ( من غير بحث ) ولا تنقير ، فهذا أفضل أحوالهم وأعظم أعمالهم ( وسؤالهم عن غير ما يتعلق بالعبادة سوء أدب منهم يستحقون به المقت من اللّه تعالى ) والبعد عن ساحة حضرته ، ( ويتعرضون لخطر الكفر وهو كسؤال ساسة الدواب ) جمع سائس ، وهو الذي يتعاهد الدواب في خدمتها ومراعاة أحوالها ( عن أسرار الملوك ) الباطنة ( وهو موجب للعقوبة ) والنكال . ( وكل من سأل عن علم غامض ) أي دقيق ( ولم يبلغ فهمه تلك الدرجة فهو مذموم ) وفساده أكثر من صلاحه ، ( فإنه بالإضافة إليه عامي ، ولذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « ذروني » ) أي اتركوني من السؤال ( ما تركتكم ) أي مدة تركي إياكم من الأمر بالشيء والنهي عنه ، فلا تتعرضوا لي بكثرة البحث عما لا يعنيكم في دينكم مهما أنا تارككم لا أقول لكم شيئا ، فقد يوافق ذلك إلزاما وتشديدا وخذوا بظاهر ما أمرتكم ولا تستكشفوا كما فعل أهل الكتاب ، ولا تكثروا من الاستقصاء فيما هو مبين بوجه ظاهر وإن صلح لغيره لامكان أن يكثر الجواب المرتب عليه فيضاهي قصة بقرة بني إسرائيل شددوا فشدد عليهم ، فخاف وقوع ذلك بأمته ومن ثم علله بقوله : ( فإنما هلك من كان قبلكم ) من أمم الأنبياء ( بسؤالهم ) إياهم عما لا يعنيهم . وفي رواية بكثرة سؤالهم ( واختلافهم على أنبيائهم ) ولما كان الأمر كذلك تسببوا لتفرق القلوب ووهن الدين واستوجبوا به المحن والبلايا ، والمفهوم من السياق النهي عن السؤال والاختلاف ، فإن قيل : السؤال مأمور به بنص فاسألوا أهل الذكر ، فكيف يكون الشيء مأمورا منهيا . قلت : إنما هو مأمور فيما يأذن المعلم في السؤال عنه ، وهو الذي يعنيه في دينه أو دنياه والمنهي عنه هو السؤال الذي يكثر به النزاع والخصومات وفيما لا يعني من الفضول . ( ما نهيتكم عنه فاجتنبوه ) أي دائما على كل تقدير ما دام منهيا عنه حتما في الحرام وندبا في المكروه إذ لا يمتثل مقتضى النهي إلا بترك جميع جزئياته وإلا صدق عليه أنه عاص أو مخالف ( وما أمرتكم به فأتوا منه ) وجوبا في الواجب وندبا في المندوب ( ما استطعتم » ) لأن فعله هو