ومن تأمل جميع ما أوردناه من آفات اللسان علم أنه إذا أطلق لسانه لم يسلم ، وعند ذلك يعرف سر قوله صلّى اللّه عليه وسلم « من صمت نجا » لأن هذه الآفات كلها مهالك ومعاطب ،
شرح
فصل
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت من طريق ليث عن مجاهد أنه كان يكره أن يقول : اللهم ادخلني في مستقر رحمتك فإن مستقر رحمته نفسه ومن طريق أيوب عن محمد بن سيرين أن رجلا شهد عند شريح فقال : أشهد بشهادة اللّه ، فقال له شريح لا تشهد بشهادة اللّه ، ولكن اشهد بشهادتك فإن اللّه لا يشهد إلا على حق ومن طريق ليث عن مجاهد أنه كره أن يقول للميت استأثر اللّه به . ومن طريق مغيرة عن إبراهيم قال : كان يكره أن يقول لعمر واللّه لا بحمد اللّه وعن القاسم ابن مخيمرة قال : لأن أحلف بالصليب أحب إليّ من أن أحلف بحياة رجل . وعن العلاء بن المسيب عن أبيه عن كعب قال : إنكم تشركون في قول الرجل كلا وأبيك كلا والكعبة كلا وحياتك وأشباه هذا احلف باللّه صادقا أو كاذبا ولا تحلف بغيره . ومن طريق حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « من حلف منكم باللات فليقل لا إله إلا اللّه ومن قال لأخيه تعالى أقامرك فليتصدق » . ومن طريق مسعر عن سماك الحنفي أنه سمع ابن عباس يكره أن يقول الرجل إني كسلان . ومن طريق المسعودي عن عون بن عبد اللّه قال : لا تقولوا أصبحنا وأصبح الملك للّه ، ولكن قولوا أصبحنا والملك للّه والحمد للّه ، وعنه أيضا قال : لا يقولن أحدكم نعم اللّه بك عينا ، فإن اللّه لا ينعم بشيء ، ولكن ليقل أنعم اللّه بك عينا فإنما أنعم أقر . ومن طريق غيلان بن جرير عن مطرف قال : لا تقل إن اللّه يقول ، ولكن قل إن اللّه قال واحدهم يكذب مرتين إذا سئل من هذا قال لا شيء إلا شيء أليس بشيء . وعن مطرف أنه كان يكره أن يقول أحدهم للكلب اللهم أخزه . وعن خناس بن سحيم قال : أقبلت مع زياد بن جدير من الكناسة فقتل في كلامي والأمانة ، فجعل زياد يبكي فظننت إني أتيت أمرا عظيما ، فقلت : أكان يكره ما قلت ؟
قال : نعم . كان عمر ينهانا عن الحلف بالأمانة أشد النهي . وعن يحيى بن مطرف قال : قلت لعيسى ابن بابان أقعد إلى هؤلاء القوم ساعة . قال : وما يدريك وما قدر ساعة ؟ قلت : هنية . قال : هكذا فقل . قال : وقال لي عيسى يوما أدخل فانظر فلانا هل تراه في المسجد ، فدخلت وخرجت وقلت :
ليس في المسجد أحد . قال : لا تقل هكذا قل لم أر في المسجد أحدا . هكذا فقل . ومن طريق عبد الرحمن بن عمر بن حفص عن ربيعة بن عطاء قال : قلت عن القاسم بن محمد قاتل اللّه محمد بن يوسف ما أجرأه على اللّه . قال : هو أدل والأم من أن يجتريء على اللّه ، ولكنها الغرة الغرة قل ما أغره باللّه . ومن طريق المسعودي عن عون بن عبد اللّه قال : لا يقل الرجل إذا سئل عن الرجل ليس لي به عهد حتى يقول مذ لم أره .
( ومن تأمل جميع ما أوردناه من آفات اللسان علم أنه إذا أطلق لسانه لم يسلم ) من تلك الآفات كلها أو بعضها ، ( وعند ذلك يعرف سر قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « من صمت نجا » ) وقد تقدم