وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً
[ الكهف : 73 ] فلما لم يصبر حتى سأل ثلاثا قال :
هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ
[ الكهف : 78 ] وفارقه .
فسؤال العوام عن غوامض الدين من أعظم الآفات وهو من المثيرات للفتن فيجب دفعهم ومنعهم من ذلك وخوضهم في حروف القرآن يضاهي حال من كتب الملك إليه كتابا ورسم له فيه أمورا ، فلم يشتغل بشيء منها وضيع زمانه في أن قرطاس الكتاب عتيق أم حديث ، فاستحق بذلك العقوبة لا محالة ، فكذلك تضييع العامي حدود القرآن واشتغاله بحروفه أهي قديمة أم حديثة ؟ وكذلك سائر صفات اللّه سبحانه وتعالى واللّه تعالى أعلم .
شرح
عُسْراً )بالمضايقة والمؤاخذة على المنسي فإن ذلك يعسر على متابعتك وعسرا مفعول ثان لترهق فإنه يقال رهقه إذا غشيه وأرهقه إياه ، ( فلما لم يصبر حتى سأل ثالثا ) الأول عن السفينة ، والثاني عن قتل الغلام والثالث : عن إقامة الجدار ( قال :هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) الإشارة إلى الفراق الموعود بقوله : فلا تصاحبني أو إلى الاعتراض الثالث أو الوقت ( وفارقه ) ، وكان ما كان مما هو مذكور في القرآن .
( فسؤال العوام عن غوامض الدين من أعظم الآفات وهو من المثيرات للفتن فيجب زمهم ) أي كفهم ، ( ومنعهم عن ذلك ) وليس المراد بالعوام السوقية والأجلاف من أهل السواد فقط ، بل في معنى العوام الأديب والنحوي والمحدث والمفسر والفقيه والمتكلم ، بل كل عالم سوى المتجردين لعلم السباحة في بحار المعرفة القاصرين أعمارهم عليه الصارفين وجوههم عن الدنيا والشهوات المعرضين عن المال والجاه والخلق وسائر اللذات المخلصين للّه تعالى في العلوم والأعمال القائمين بجميع حدود الشريعة وآدابها في القيام بالطاعات ، وترك المنكرات المفرغين قلوبهم بالجملة عن غير اللّه المستحقرين للدنيا ، بل للآخرة في جنب محبة اللّه تعالى . فهؤلاء هم أهل الغوص في بحر المعرفة وهم مع ذلك كله على خطر عظيم يهلك من العشرة تسعة إلى أن يسعد واحد منهم بالدر المكنون والسر المخزون ، ( وخوضهم ) أي أولئك العوام ومن في معناهم ( في حروف القرآن يضاهي اشتغال من كتب إليه الملك كتابا رسم له فيه أمورا فلم يشتغل بشيء منها وضيع زمانه في أن قرطاس الكتاب عتيق أم حديث ، فاستحق بذلك العقوبة لا محالة فكذا تضييع العامي حدود القرآن واشتغاله بحروفه أهي قديمة أم حادثة وكذلك سائر صفات اللّه تعالى ) فإن اتفق سؤال مثل ذلك فيجب على العارف منع السائل عن مثله ، وليبين أنه بدعة . وقد نهينا عن الخوض في مثل ذلك وإن لم يجد بدا من الخوض معه في مثله ، فليقل له : ما ذا تعني في سؤالك فإن أردت شيئا من القرآن ومن صفات اللّه تعالى فجميع صفات اللّه قديمة ، وإن أردت شيئا من صفات الخلق فجميع صفاتهم مخلوقة ، فإن أردت ما ليس صفة للخلق ولا صفة للخالق فهو غير مفهوم ولا مقصود وما لا يفهم ولا يتصور ذاته . كيف يفهم حكمه في القدم والحدوث