تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
عمر : أيموت رجل من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ولم تصلّ عليه ؟ فقال : يا أمير المؤمنين إنه منهم . فقال : نشدتك اللّه أنا منهم أم لا ؟ قال : اللهم لا . ولا أؤمن منها أحدا بعدك . فإن قلت : بما ذا يصير الرجل ذا لسانين وما حد ذلك ؟ فأقول : إذا دخل على متعاديين وجامل كل واحد منهما وكان صادقا فيه لم يكن ذا لسانين فإن الواحد ، قد يصادق متعاديين ولكن صداقة ضعيفة لا تنتهي إلى حد الأخوّة إذ لو تحققت الصداقة لاقتضت معاداة الأعداء - كما ذكرنا في كتاب آداب الصحبة والاخوة - نعم لو نقل كلام كل واحد منهما إلى الآخر فهو ذو لسانين وهو شر من النميمة إذ يصير نماما بأن ينقل من أحد الجانبين فقط ، فإذا نقل من الجانبين فهو شر من النمام ، وإن لم ينقل كلاما ولكن حسن لكل واحد منهما ما هو عليه من المعاداة مع صاحبه فهذا ذو لسانين ، وكذلك إذا وعد كل واحد منهما بأن ينصره ، وكذلك إذا أثنى على كل واحد منهما في معاداته ، وكذلك إذا أثنى على أحدهما وكان إذا خرج من عنده يذمه فهو ذو لسانين . بل ينبغي أن يسكت أو يثني على المحق من المتعاديين . ويثني عليه في غيبته وفي حضوره وبين يدي عدوّه .
شرح
أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ولا تصلي عليه ، فقال : يا أمير المؤمنين إنه منهم ) أي من المنافقين . وكان حذيفة قد أعطي علم ذلك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : ( فنشدتك اللّه أنا منهم أم لا ؟ قال : اللهم لا . ولا أؤمن منها أحدا بعدك ) لم يرد بذلك نفاق الكفر ، وإنما أراد نفاق العمل الذي هو ترك المحافظة على الدين سرا ومراعاتها علنا قاله القرطبي . ( فإن قلت : فبماذا يصير ذا لسانين وما حد ذلك ؟ فأقول إذا دخل على متعاديين وجامل كل واحد منهما ) أي عامله بالمجاملة ، ( وكان صادقا فيه لم يكن منافقا ) لعدم مخالفة السر العلن ، ( ولا ذا لسانين فإن الواحد قد يصادق متعاديين ولكن صداقة ضعيفة لا تنتهي إلى حد الأخوّة إذا لو تحققت الصداقة لاقتضت معاداة الأعداء ) ومصارمتهم ، ( كما ذكرناه في كتاب الصحبة والأخوة . نعم لو نقل كلام كل واحد إلى الآخر فهو ذو لسانين ، وذلك شر من النميمة إذ يصير نماما بأن ينقل من أحد الجانبين فقط ، وإن لم ينقل كلاما ولكن حسن لكل واحد منهما ما هو عليه من المعاداة لصاحبه فهو ذو لسانين ) أيضا لأن تحسين معاداة هذا يستلزم تقبيح الآخر وبالعكس ، ( وكذلك إذا وعد كل واحد منهما بأنه ينصره ) على الآخر فهو ذو لسانين أيضا ( وكذلك إذا أثنى على كل واحد منهما في معاداته ) فهو ذو لسانين أيضا ، ( وكذلك إذا أثنى على أحدهما وكان إذا خرج من عنده يذمه فهو ذو لسانين ) أيضا ، ( بل ينبغي أن يسكت ) ولا يفاوض في أمرهما أصلا ( أو يثني على المحق من المتعاديين ) ويظهر الذي هو على الحق والذي هو على الباطل ، ( ويثني في حضوره وفي غيبته وبين يدي عدوه ) ، فهذا ( هو المخلص له عن النفاق ) .