إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 277
بيان الحذر من الكذب بالمعاريض : قد نقل عن السلف ان في المعاريض مندوحة عن الكذب . قال عمر رضي اللّه عنه : أما في المعاريض ما يكفي الرجل عن الكذب ؟ وروي ذلك عن ابن عباس وغيره وإنما يفسق وترد شهادته ، ورواياته كلها ولو تاب وحسنت توبته تغليظا عليه ، وغالب الكذابين على النبي صلّى اللّه عليه وسلم زنادقة أرادوا تبديل الدين . قال حماد : وضعت الزنادقة أربعة عشر ألف حديث واللّه أعلم ، واستشكل هذا الحديث بأن الكذب معصية مطلقا إلا لمصلحة والمعاصي متوعد عليها بالنار ، فما الذي امتاز به عنها الكاذب عليه ؟ وأجيب بأن الكذب عليه كبيرة وعلى غيره صغيرة ، ولا يلزم أن يكون مقر الكاذبين واحدا ، ويدل لذلك ما رواه الطبراني في الكبير وابن مردويه من حديث أبي أمامة « من كذب عليّ متعمدا فليتبوّأ مقعده من بين عيني جهنم » قالوا يا رسول اللّه نحدث عنك بالحديث يزيد وينقص . قال « ليس ذاك أعنيكم إنما أعني الذي يكذب عليّ متحدثا يطلب به شين الإسلام » قالوا : وهل لجهنم عين ؟ قال : « نعم أما سمعتموه يقول إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ فهل تراهم إلا بعينين » . بيان الحذر من الكذب بالمعاريض : جمع معراض والمراد به التعريض . قال السعد التفتازاني : التعريض ذكر لفظ محتمل يفهم منه السامع خلاف ما يريده المتكلم . وقال بعض المتأخرين : هو ذكر شيء مقصود بلفظ حقيقي أو مجازي أو كنائي ليدل به على شيء آخر لم يذكر في الكلام نقله المناوي في شرحه ، وقيل : هو أن يتكلم الرجل بكلمة يظهر من نفسه شيئا ومراده شيء آخر . كذا في البستان وتحقيقه في قوله تعالى وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ [ البقرة : 235 ] من خطبة النساء وفي المغرب التعريض خلاف التصريح ، والفرق بينه وبين الكناية هو أن التعريض يتضمن الكلام دلالة ليس فيها ذكر كقوله : ما أقبح البخل تعريض بأنه بخيل ، والكناية ذكر اللزوم وإرادة اللازم ، كقولك : فلان طويل النجاد كثير الرماد . والنجاد : حمائل السيف ، والمعنى أنه طويل القامة ومضياف . ( وقد نقل عن السلف ) قولهم : ( إن في المعاريض مندوحة ) أي سعة وغنية وفسحة ( عن الكذب ) وهذا قد روي مرفوعا أخرجه ابن عدي في الكامل من طريق أبي إبراهيم الترجماني ، حدثنا داود بن الزبرقاني ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن زرارة بن أبي أوفى ، عن عمران بن الحصين رضي اللّه عنه مرفوعا « إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب » قال : ولا أعلم رفعه غير داود ، ورواه البيهقي وابن السني عنه موقوفا . قال البيهقي : الصحيح هكذا . ورواه الترجماني عن داود بن الزبرقان ، عن أبن أبي عروبة فرفعه . قال الذهبي : داود قد تركه أبو داود وقد رواه كذلك البخاري في الأدب المفرد . ( قال عمر رضي اللّه عنه ) في معنى ذلك ( في المعاريض ما يكفي الرجل عن الكذب ) أي يغنيه عنه ويجعله في فسحة منه رواه البيهقي في الشعب من طريق أبي عثمان النهدي عنه بلفظ :