بتصحيح قصده فيه ثم يعفى عنه لأنه إنما أبيح بقصد الإصلاح ويتطرق إليه غرور كبير ، فإنه قد يكون الباعث له حظه وغرضه الذي هو مستغن عنه وإنما يتعلل ظاهرا بالإصلاح فلهذا يكتب وكل من أتى بكذبة فقد وقع في خطر الاجتهاد ليعلم أن المقصود الذي كذب لأجله هل هو أهم في الشرع من الصدق أم لا ، وذلك غامض جدا والحزم تركه إلا أن يصير واجبا بحيث لا يجوز تركه كما لو أدى إلى سفك دم أو ارتكاب معصية كيف كان .
وقد ظن ظانون أنه يجوز وضع الأحاديث في فضائل الأعمال وفي التشديد في المعاصي ، وزعموا أن القصد منه صحيح وهو خطأ محض . إذ قال صلّى اللّه عليه وسلم : « من كذب
شرح
حديث طويل ، وأن الكذب لا يصلح منه جدّ ولا هزل ولا يعد أحدكم صبيا ولا ينجز له . ومن حديث أبي هريرة : من قال لصبيه ها أعطيك فلم يعطه شيئا كتبت كذبة . رواهما ابن أبي الدنيا في الصمت .
( ولكن الكذب المباح أيضا قد يكتب ) في صحيفة أعماله ، ( ويحاسب عليه ويطالب بتصحيح قصده ) وحسن نيته ( فيه ثم يعفى عنه ) بمحض فضله ، ( لأنه إنما أبيح بقصد الإصلاح ويطرق إليه غرور كثير ، فإنه قد يكون الباعث له حظه وغرضه الذي هو مستغن عنه ، وإنما يتعلل ظاهرا بالإصلاح ، فلهذا يكتب ) ومن ثم شدد فيه فقال ابن مسعود : والذي نفسي بيده ما أحل اللّه الكذب في جد ولا هزل قط اقرؤا إن شئتماتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ[ التوبة ، 119 ] وقال الأعمش : ذكرت لإبراهيم حديث أبي الضحى عن مسروق أنه رخص في الكذب في الإصلاح بين الناس فقال : ما كانوا يرخصون في الكذب في جد ولا هزل ، وقال عبد اللّه بن عون : ذكر عند محمد بن سيرين أنه يصلح الكذب في الحرب ، فأنكر ذلك وقال : ما أعلم الكذب إلا حراما . ( وكل من أتى بكذبة فقد وقع في خطر الاجتهاد ليعلم أن المقصود الذي كذب له ) أي لأجل تحصيله ( هل هو أهم في الشرع من الصدق ) وآكد ( أم لا وذلك غامض ) أي خفي ( جدا ، فالحزم ) كل الحزم ( في تركه ) من أصله ( إلا أن يصير واجبا ) عليه ( بحيث لا يجوز تركه ، كما ) إذا كان الصدق ( يؤدي إلى سفك دم ) أخيه بغير وجه شرعي ، ( وارتكاب معصية كبيرة يتسبب منها الانحلال عن ربقة الدين كيف كان ) وهذا هو التحقيق في هذا المقام .
( وقد ظن ظانون ) من الكرامية ومن تبعهم من غيرهم من جهلة المتصوّفة والقصاص ( أنه يجوز وضع الأخبار ) على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ( في ) الترغيب مثل : ( فضائل الأعمال ) من صلاة وصوم في ساعات مخصوصة وأيام مخصوصة ، وكذا فضائل القرآن ، ( وفي ) الترهيب مثل ( التشديد في العاصي ) والزجر عنها ، ( وزعموا أن القصد منه صحيح وهو خطأ محض )