إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 213
الآفة التاسعة : الغناء والشعر : وقد ذكرنا في كتاب السماع ما يحرم من الغناء وما يحل فلا نعيده وأما الشعر فكلام حسنه حسن وقبيحة قبيح إلا أن التجرد له مذموم . وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يراه خير له من أن يمتلئ شعرا » . وعن مسروق أنه سئل عن أي إن زاد على مثله لقوله تعالى : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [ البقرة : 194 ] قال العراقي : هذا الحديث لم أقف له على أصل ، وللترمذي من حديث عائشة بسند ضعيف « من دعا على من ظلمه فقد انتصر » اه . قلت : رواه كذلك ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في ذم الغضب وهو مطابق لقوله تعالى : وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ [ الشورى : 41 ] أي ابتداء أو بالتجاوز عن الحد انتهاء . الآفة التاسعة الغناء : وهو رفع الصوت بالتطريب والإيقاع ( والشعر ، وقد ذكرنا في كتاب السماع ما يحرم من الغناء وما يحل ) مفصلا ( فلا نعيده ) ثانيا ( وأما الشعر فكلام حسنه حسن وقبيحة قبيح ) رواه البخاري في الأدب المفرد والطبراني في الأوسط من حديث عبد اللّه بن عمرو ، ورواه أبو يعلى من حديث عائشة بلفظ الشعر بمنزلة الكلام فحسنه كحسن الكلام وقبيحة كقبيح الكلام ، وقد تقدم القول في ذلك مفصلا ( إلا أن التجرد له ) بحيث يهتم له ويعتنى به حتى يسب إليه ( مذموم . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « لأن يمتلئ بطن ) وفي لفظ جوف ( أحدكم ) يحتمل أن المراد الجوف كله وما فيه من القلب وغيره وأن يراد القلب خاصة وهو الظاهر لقول الأطباء إذا وصل القلب شيء من قيح حصل الموت ( قيحا ) أي مدة لا يخالطها دم ( حتى يريه ) بفتح المثناة التحتية من الورى مثل الرمي غير مهموز أي حتى يغلبه حتى يشغله عن ذكر اللّه حتى يفسده . قال الزمخشري : وري الداء جوفه يريه أفسده ، ولفظ البخاري بإسقاط « حتى » وعليه ضبط يريه بإسكان ثالثة . قال ابن الجوزي : وكان جماعة من المبتدئين ينصبون يريه هنا جريا على العادة في قراءة الحديث الذي فيه حتى وليس هنا ما ينصب ، وتعقبه الزركشي بأن الأصيلي رواه بالنصب على بدل الفعل من الفعل ( خير ) له ( من أن يمتلئ شعرا » ) أنشأه أو أنشده لما يؤول إليه أمره من تشاغله عن عبادة ربه ، والمراد بالشعر ما يتضمن تشبيبا أو هجاء أو مفاخرة كما هو الغالب في أشعار الجاهليين ، وقال بعضهم : قوله شعرا ظاهره العموم في كل شعر لكنه مخصوص بما لم يشتمل على الذكر والزهد والمواعظ والرقائق مما لا إفراط فيه . وقال النووي : هذا الحديث محمول على التجرد للشعر بحيث يغلب عليه فيشغله عن القرآن والذكر . وقال القرطبي : من غلب عليه الشعر لزمه بحكم العادة الأدبية الأوصاف المذمومة وعليه يحمل الحديث ، وقول بعضهم عنى به الشعر