من التشبيب والمقدمة المصنوعة المتكلفة وهذا أيضا من آفات اللسان ويدخل فيه كل سجع متكلف ، وكذلك التفاصح الخارج عن حد العادة وكذلك التكلف بالسجع في المحاورات إذ قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بغرة في الجنين فقال بعض قوم الجاني : كيف ندي من لا شرب ولا أكل ولا صاح ولا استهل . مثل ذلك بطل فقال : « أسجعا كسجع الأعراب » . وأنكر ذلك لأن أثر التكلف والتصنع بين عليه : بل ينبغي أن يقتصر في كل شيء على مقصوده ، ومقصود الكلام التفهيم للغرض وما وراء ذلك تصنع مذموم لا يدخل في هذا تحسين ألفاظ الخطابة . والتذكير من غير إفراط وإغراب ، فإن المقصود منها تحريك القلوب وتشويقها وقبضها وبسطها فلرشاقة اللفظ تأثير فيه فهو لائق به ، فأما المحاورات التي تجري لقضاء الحاجات فلا يليق بها السجع والتشدق والاشتغال به من التكلف المذموم ، ولا باعث عليه إلا الرياء وإظهار الفصاحة والتميز بالبراعة وكل ذلك مذموم يكرهه الشرع ويزجر عنه .
شرح
المصنف . وأخرجه أيضا بهذا الإسناد في كتاب ذم الغيبة له ، وأخرجه أحمد وأبو داود والترمذي من حديث أبن عمر : « وإن اللّه تعالى يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها » وقال الترمذي : حسن غريب .
( وكأنه أنكر عليه ما قدم على الكلام من التشبيب والمقدمة المصنوعة المتكلفة ، وهذا أيضا من آفات اللسان ويدخل فيه كل سجع متكلف ، وكذلك التفاصح الخارج عن حد العادة ) مما فيه تغرب وتدقيق وتعمق ، ( وكذلك التكلف بالسجع في المحاورات ) والمخاطبات ( إذ قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بغرة في الجنين فقال بعض قوم الجاني كيف ندي من لا شرب ولا أكل ولا صاح ولا استهل ومثل ذلك دمه يطل ) أي يهدر ( فقال ) النبي صلّى اللّه عليه وسلم ( « اسجعا كسجع الأعراب » ) رواه أبو داود وقد تقدم في كتاب العلم ( وانكر ذلك لأن أثر التكلف والتصنع بيّن عليه ) ظاهر لديه ، ( بل ينبغي أن يقتصر في كل شيء على مقصوده ) الذي هو بصدده ، ( ومقصود الكلام ) إنما هو ( التفهم للغرض ) فقط ، ( وما وراء تصنع مذموم ( ولا يدخل في هذا تحسين ألفاظ الخطابة والتذكير ) مما يوردها في وعظه للعامة والخاصة ، ولكن ( من غير إفراط وإغراب ) وتعمق ( فإن المقصود منها تحريك القلوب ) وجذبها ( وتشويقها وقبضها ) عن ميل الهوى ( وبسطها ) في مجال الرضا . ( فلرشاقة اللفظ ) وقع عجيب و ( تأثير ) غريب ( فيه فهو لائق به ) ومستثنى مما ذكر ، ( فأما المحاورات التي تجري ) بين الناس ( لقضاء الحاجات ) وتيسير الأمور ( فلا يليق بها السجع ) المتكلف ( والتشدق والاشتغال به من التكلف المذموم ، ولا باعث عليه إلا الرياء وإظهار الفصاحة والتميز بالبراعة ) على الإخوان ، ( وكل ذلك يكرهه الشرع ويزجر عنه ) وفي كلام السلف تنبيه عليه لمن تأمل .