تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
وأما ما لا منفعة فيه ولا ضرر فهو فصول والاشتغال به تضييع زمان وهو عين الخسران ، فلا يبقى إلا القسم الرابع ، فقد سقط ثلاثة أرباع الكلام وبقي ربع ، وهذا الربع فيه خطر إذ يمتزج بما فيه إثم من دقائق الرياء والتصنع والغيبة وتزكية النفس وفضول الكلام امتزاجا يخفي دركه فيكون الإنسان به مخاطرا . ومن عرف دقائق آفات اللسان على ما سنذكره علم قطعا أن ما ذكره صلّى اللّه عليه وسلم هو فصل الخطاب حيث قال : « من صمت نجا » فلقد أوتي واللّه جواهر الحكم قطعا وجوامع الكلم . ولا يعرف ما تحت آحاد كلماته من بحار المعاني إلّا خواص العلماء وفيما سنذكره من الآفات وعسر الاحتراز عنها ما
شرح
( وأما ما لا منفعة فيه ولا ضرر فهو فضول والاشتغال به تضييع زمان ) والعمر جوهر نفيس ( وهو عين الخسران فلا يبقى إلا القسم الرابع ) وهو الذي فيه نفع محض ، ( فقد سقط ثلاثة أرباع الكلام ) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت فقال : حدثنا علي بن أبي مريم عن خلف بن تميم ، حدثنا أبو إسحاق الفزاري قال : كان إبراهيم بن أدهم يطيل السكوت ، فإذا تكلم ربما انبسط فأطال ذات يوم السكوت فقلت له : لو تكلمت فقال الكلام على أربعة وجوه ، فمن الكلام كلام ترجو منفعته وتخشى عاقبته ، فالفصل في هذا السلامة منه ، ومن الكلام كلام لا ترجو منفعته ولا تخشى عاقبته فأقل مالك في تركه خفة المؤنة على بدنك ولسانك ، ومن الكلام كلام لا ترجو منفعته ولا تأمن عاقبته ، فهذا قد كفى العاقل مؤنته ، ومن الكلام كلام ترجو منفعته وتأمن عاقبته ، فهذا الذي يجب عليك نشره قال خلف : فقلت لأبي إسحاق إبراهيم أراه قد أسقط ثلاثة أرباع الكلام ؟ قال نعم اه . ( وبقي ربع وهذا الربع فيه خطر إذ يمتزج به ما هو إثم ) عند اللّه تعالى ، وذلك ( من دقائق الرياء والتصنع والغيبة وتزكية النفس وفضول الكلام امتزاجا ) لطيفا ( يخفى دركه ) لأكثر الناس ، ( فيكون الإنسان مخاطرا ) أي مشرفا على خطر عظيم ، ( ومن عرف دقائق آفات اللسان على ما سنذكره علم قطعا ما ذكره صلّى اللّه عليه وسلم هو فصل الخطاب ) في بابه ( حيث قال : « من صمت نجا » ) وقد تقدم الكلام عليه قريبا . ( فقد أوتي ) صلّى اللّه عليه وسلم ( جواهر الحكم قطعا وجوامع الكلم ) كما رواه مسلم من حديث أبي هريرة ، وقد تقدم بلفظ : « أوتيت جوامع الكلم » واختصر لي الكلام اختصارا . ( ولا يعرف ما تحت آحاد كلماته من بحار المعاني إلا خواص العلماء ) إذ هي ثمان أحرف ، وقد جمع فيها خير الدنيا والآخرة وهو أبلغ من قول القائل : من سكت سلم لأن الصمت أبلغ من السكوت كما تقدمت الإشارة إليه ، والنجاة أبلغ من السلامة لأن السلامة قد يقتصر إطلاقها على الخلاص من شر الناس فهو خاص في الدنيا ، والنجاة تعم الدنيا والآخرة فكأنه قال : من صمت عما لا يعني وعن الفضول سلم في نفسه من شر الناس ومن شر الشيطان . ومن سلم منهما فقد نجا من تبعات الآخرة . ( وفيما سنذكره من الآفات وعسر