تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
شرح
شيء ؟ قال : ربما شبعت فثقلناك عن الصلاة وعن الذكر . قال : هل غير ذلك ؟ قال : لا . قال : للّه علي أن لا أملأ بطني من طعام أبدا . قال إبليس : وللّه عليّ أن لا أنصح مسلما أبدا . وكان أبو سليمان الداراني يقول : إذا عرضت لك حاجة من حوائج الآخرة فامضها قبل أن تأكل ، فما من أحد شبع إلا نقص من عمله أو قال تغيّر عقله عما كان عليه وقالوا : إذا كان العبد ناسيا لجوعه ذاكرا لربه فهو يشبه الملائكة ، وإذا كان شبعان منهوما في طلب الشهوات فهو أشبه شيء بالبهائم ، ويقال : إن الجوع ملك والشبع مملوك ، وأن الجائع عزيز والشبعان ذليل . وقيل : الجوع عز كله والشبع ذل كله . وقال أبو سعيد الخراز : معنى الجوع اسم معلق على الخلق افترقوا في الدخول فيه والعمل به لعلل كثيرة : فمنهم من يجوع وزعا إذا لم يصب الشيء الصافي ، ومنهم من وجد الشيء الصافي فتركه زهدا فيه من مخافة طول الحساب والوقوف والسؤال ، ومنهم من استلذ العبادة والنشاط بها والخفة فرأى أن النيل من الطعام والشراب قاطعا له وشاغلا عن الخدمة والخلوة ، ومنهم من قرب من اللّه تعالى فلزم قلبه حقيقة الحياء حين علم أن اللّه مشاهده وكان الحياء مقامه لا غير ، فتوهم أن اللّه يراه وهو يمضغ بين يديه ويأكل ويشرب فيؤديه ذلك إلى الاختلاف إلى الكنيف فيجوع من هذه العين ، وهكذا كان أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه . ومنهم من أدركه السهر عن حاجاته فسلا عن نيل مصلحته حتى يذكر في الغب أو يذكر ، ورأى رجل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في المنام فأخذ بجلد ذراعه وجعل يقول : جعت هذا الجوع كله ولم يقل له اترك الجوع ، ولو قال له اتركه لعله كان يتركه . قال صاحب القوت : وكان بعض شيوخنا ترك أكل الخبز الحار لأنه كان يشتهيه سنين كثيرة فعوتب في ذلك فقال : لو طمعت نفسي في أكل الخبز عشرين سنة ما أطعتها الساعة . وكان ربما بكى من شدة شهوة نفسه وقوة عزم مجاهدته لاستشعار نفسه صدقه وحسن وفائه فييأس من شهوتها آخر الدهر ، فلذلك كان يقع عليه البكاء للإياس من المشتهى . واعلم أن الشهوات لا حدّ لها وإنما الحد للقوت ، فمثل الشهوات مثل الجهل لا حدّ له ، ومثل القوت مثل العلم له حد ينتهي إليه ، فكم من شهوة دنية منعت رتبة علية . وكان أبو سليمان الداراني يقول : لا تضر الشهوات من لم يتكلفها إنما تضر من حرصها وكان يدعو أصحابه فيقدم إليهم الطيبات فيقولون : تنهانا عنها وتقدمها إلينا . قال : لأني أعلم أنكم تشتهونها فتأكلونها عندي خير ، ولو جاءني من يزهد ما زدته على الملح ، وكان يقول : أكل الطيبات يورث الرضا عن اللّه تعالى . وقال بعض الخلفاء : شرب ماء بثلج يخلص الشكر للّه تعالى ، وأوحى اللّه تعالى إلى بعض أوليائه : أدرك إلي لطف الفطنة وخفي اللطف فإني أحب ذلك . قال : يا رب وما لطف الفطنة ؟ قال : إذا وقعت عليك ذبابة فاعلم أني أوقعتها فسلني حتى أرفعها . قال : وما خفي اللطف ؟ قال : إذا أتاك فولة مسوّسة فاعلم أني ذكرتك بها فاشكرني عليها ، وأوحي إلى بعض الأنبياء لا تنظر إلى قلة الهدية وانظر إلى عظمة مهديها ، ولا تنظر إلى صغر الخطيئة وانظر إلى كبرياء من واجهته بها ، وإذا أصابك ضر أو فقر فلا تشكني إلى خلقي ، كما إذا صعدت مساوئك إلي لم أشكك إلى ملائكتي .