تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
فكتبت إليه بسم اللّه الرحمن الرحيم أما بعد : فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن ، والرغبة فيها تورث الهم والحزن . فإذا أتاك كتابي هذا فهيء زادك وقدّم لمعادك وكن وصي نفسك ولا تجعل الرجال أوصياءك فيقتسموا تراثك ، فصم الدهر وليكن فطرك الموت . وأما أنا فلو أن اللّه تعالى خوّلني أمثال الذي خوّلك وأضعافه ما سرني أن أشتغل عن اللّه طرفة عين . وهذه إشارة إلى أن كل ما يشغل عن اللّه تعالى فهو نقصان ، فلينظر المريد إلى حاله وقلبه فإن وجده في العزوبة فهو الأقرب ، وإن عجز عن ذلك فالنكاح أولى به ، ودواء هذه العلة ثلاثة أمور : الجوع ، وغض البصر ، والاشتغال بشغل يستولي على القلب فإن لم تنفع هذه الثلاثة فالنكاح هو الذي يستأصل مادتها فقط . ولهذا كان السلف يبادرون إلى النكاح وإلى تزويج البنات . قال سعيد بن المسيب : ما أيس إبليس من أحد
شرح
فاجيبيني ) أي للنكاح ، ( فكتبت إليه ) ما نصه : ( بسم اللّه الرحمن الرحيم أما بعد ، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن ، والرغبة فيها تورث الهم والحزن ، فإذا أتاك كتابي هذا فهيء زادك وقدم لمعادك ) أي لآخرتك ، ( وكن وصي نفسك ولا تجعل الرجال أوصياءك فيقتسموا مالك وصم الدهر وليكن فطورك الموت ، وأما أنا فلو ان اللّه تعالى خوّلني أمثال الذي خوّلك ) أي أعطاك ( وأضعافه ما سرني أن أشتغل عن اللّه طرفة عين ) والسلام . ( وهذا إشارة إلى أن كل ما شغل عن اللّه تعالى فهو نقصان ) فإذا الزواج في حق المريد نقصان لحاله لأنه اشتغال بالزوجة ، فلا يصح له أن يشتغل بغير اللّه تعالى : ( فلينظر المريد إلى حاله وقلبه فإن وجده ساكنا في العزبة ) غير متطلع إلى الشهوة ( فهو أقرب ) إلى سلوكه ، ( وإن عجز عن ذلك فالنكاح أولى به ) . وسئل سهل رحمه اللّه تعالى عن النساء فقال : الصبر عنهن خير من الصبر عليهن ، والصبر عليهن خير من معالجة النساء . وقال أبو الحسن علي بن سالم البصري وقد سئل عن التزويج فقال : لا يصلح في هذا الوقت إلا لرجل يدركه من الشبق ما يدرك الحمار إذا نظر إلى أتان لم يملك نفسه أن يثب عليها حتى يضرب رأسه وهو لا ينثني ، فإذا كان الإنسان على مثل هذا الوصف كان التزويج له أفضل ، ( ودواء هذه العلة ثلاث ) خصال : ( الجوع ) وهو أكثرها تأثيرا ، ( وغض البصر ) وهي تليها ، ( والاشتغال بشغل يستولي على القلب ) ويغلبه بالكلية فلا تكون له وجهة إلى شيء سوى ما هو فيه ، ( فإن لم تنفع هذه الثلاث فالنكاح هو الذي يستأصل مادتها ) ويقطع شأفتها ( فقط ) وما بعده دواء يستعان به على دفع هذا المرض ، ( ولهذا كان السلف يبادرون إلى النكاح ) خوفا من الوقوع في شيء من فتن النفس ويراعون المعالجة قبل حلول المرض ، ( و ) كانوا يبادرون أيضا ( إلى تزويج البنات ) والأولاد