أراهم أن بصره قد ذهب حتى زفت إليه ، فزال عنهم الحزن فبقيت عنده عشرين سنه ثم توفيت ففتح عينيه حين ذلك ، فقيل له في ذلك فقال : تعمدته لأجل أهلها حتى لا يحزنوا . فقيل له : قد سبقت إخوانك بهذا الخلق .
وتزوّج بعض الصوفية امرأة سيئة الخلق فكان يصبر عليها فقيل له : لم لا تطلقها ؟
فقال : أخشى أن يتزوجها من لا يصبر عليها فيتأذى بها ، فإن تزوّج المريد فهكذا ينبغي أن يكون وإن قدر على الترك فهو أولى له إذا لم يمكنه الجمع بين فضل النكاح وسلوك الطريق ، وعلم أن ذلك يشغله عن حاله ، كما روي أن محمد بن سليمان الهاشمي كان يملك من غلة الدنيا ثمانين ألف درهم في كل يوم ، فكتب إلى أهل البصرة وعلمائها في امرأة يتزوّجها فاجمعوا كلهم على رابعة العدوية رحمها اللّه تعالى ، فكتب إليها : بسم اللّه الرحمن الرحيم أما بعد ؛ فإن اللّه تعالى قد ملكني من غلة الدنيا ثمانين ألف درهم في كل يوم وليس تمضي الأيام والليالي حتى أتمها مائة ألف ، وأنا أصير لك مثلها ومثلها فاجيبيني ،
شرح
( أنه قد أصابه رمد ) في عينيه وبقي على ذلك أياما ، ( ثم أراهم أن بصره قد ذهب حتى زفت إليه فزال عنهم الحزن ) القائم بهم ، ( فبقيت عنده عشرين سنة ) وهو على تلك الحالة ، ( ثم توفيت ففتح عينيه حين ذلك فقيل له في ذلك ) التعاطي ( فقال : تعمدته لأجل أهلها حتى لا يحزنوا ، فقيل له : قد سبقت إخوانك بهذا الخلق ) وصدقوا فإن الصبر على مثل هذا أشد ما سمع ، وحكي عن بعض الصوفية أنه جعل نفسه أصم مدة عشرين سنة لكون امرأته خرج منها صوت ريح فخجلت فتصامم لكي يذهب عنها الخجل ، ولم يزل كذلك حتى ماتت ، نقله للشعراني في بعض كتبه .
( وتزوّج بعض الصوفية امرأة سيئة الخلق فكان يصبر عليها ) ويحتمل سوء خلقها ( فقيل له : لم لا تطلقها ) فتستريح منها ؟ ( فقال : أخشى أن يتزوّجها من لا يصبر عليها ) كصبري ( فيتأذى بها ) وهذا من أصعب المجاهدات ، ( فإن تزوّج المريد فهكذا ينبغي أن يكون ) في أخلاقه ( وإن قدر على الترك فهو أولى ) لحاله ( إذا لم يمكنه الجمع بين فضل النكاح ) وبين ( سلوك الطريق ) طريق الآخرة . ( وعلم أن ذلك يشغله عن حاله ) ويحول بينه وبين جمع همته ، ( كما روي أن محمد بن سليمان ) بن علي بن عبد اللّه بن عباس ( الهاشمي ) وكان قد ولي البصرة من قبل ابن أخيه السفاح ( ملك من غلة الدنيا ) أي ارتفاقها ( ثمانين ألف درهم في كل يوم ، ثم كتب إلى أهل البصرة وعلمائها في امرأة يتزوّجها فاجمعوا كلهم على ) زاهدة عصرها ( رابعة ) ابنة إسماعيل ( العدوية ) وكانت رحمها اللّه بارعة الجمال ، ( فكتب إليها ) ما نصه : ( بسم اللّه الرحمن الرحيم أما بعد ؛ فإن اللّه تعالى قد ملكني في غلة الدنيا ثمانين ألف درهم في كل يوم وليس تمضي الأيام والليالي حتى أتمها مائة ألف وأنا أصير لك مثلها ،