تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 714

مساهمون:

ص٧١٤
شرح
حرفته أو حالته ، وإذا أراد اللّه بمريد محنة وابتلاء شرده في مطارح غربته ، هذا إذا كان المريد يصلح للوصول ، فأما إذا كان شابا طريقته الخدمة في الظاهر بالنفس للفقراء وزيارة الصالحين والاقتداء بأعمالهم وهو أدونهم في هذه الطريقة رتبة ، فهو وأمثاله يكتفون بالترسم في الظاهر فينقطعون في الأسفار وغاية نصيبهم في هذه الطريقة حجب يحصلونها وزيارات لمواضع يرتحلون إليها ولقاء الشيوخ بظاهر سلام ، فيشاهدون الظواهر ويكتفون بما في هذا الباب من السير ، فهؤلاء الواجب عليهم دوام السفر حتى لا تؤديهم الدعة إلى ارتكاب محظور ، فإن الشاب إذا وجد الراحة والدعة تعرض للفتنة بميل نفسه إلى الشهوات . فصل إذا توسط المريد جمع الفقراء والأصحاب في بدايته فهو مضر له جدا فإن امتحن بذلك بأن دعته الضرورة للخلطة ، فليكن سبيله احترام الشيوخ والخدمة للأصحاب والقيام بما فيه راحة فقير ، والجهد في أن لا يستوحش منه قلب شيخ ، ويجب أن يكون في صحبته مع الفقراء أبدا خصمتهم على نفسه ولا يكون خصم نفسه عليهم ، فيقبل عذرهم ولا يقبل عذر نفسه لما يعرف من سوء أدبه وأن يرى لكل واحد عليه حقا واجبا ولا يرى لنفسه واجبا ولا مندوبا على أحد لئلا يطلب المكافاة عليه ، وأن لا يخالف أحدا . وإن علم أن الحق معه يسكت لئلا يخجل من بحث معه ويظهر الوفاق لكل أحد فيما يجوز فيه الوفاق ، وكل مريد يكون فيه ضحك ولجاج ومماراة فإنه لا يجيء منه شيء ، وإذا كان في جمع من الفقراء إما في سفر أو حضر ، فينبغي أن لا يخالفهم في الظاهر لا في أكل ولا شرب ولا صوم ولا سكون ولا حركة بل يخالفهم بسره وقلبه فيحفظ قلبه مع اللّه تعالى ، وإذا أشير إليه بالأكل مثلا يأكل لقمة أو لقمتين ولا يعطي النفس شهوتها . فصل رأس مال المريد الاحتمال على كل أحد بطيبة النفس وتلقي ما يستقبله بالرضا والصبر على الضر والفقر وترك السؤال والمعارضة في القليل والكثير فيما هو حظ له ، ومن لم يصبر على ذلك فليدخل السوق فإن من اشتهى ما يشتهيه الناس ، فالواجب أن يحصل شهوته من حيث يحصلها الناس من كدّ اليمين وعرق الجبين . فصل إذا التزم مريد استدامة الذكر وآثر الخلوة فإن وجد في خلوته ما لم يجده قلبه إما في النوم أو في اليقظة أو بينهما من خطاب يسمعه أو معنى يشاهده مما يكون نقضا للعادة ، فينبغي أن لا يشتغل بذلك البتة ولا يسكن إليه ، ولا ينبغي له أن ينظر حصول أمثال ذلك ، فإن هذه كلها شواغل عن الحق سبحانه ولا بدّ له في هذه الأحوال من وصف ذلك لشيخه إن لم يندفع بالذكر حتى يصير