المواظبة على ذلك مدة حتى ينكسر كبره وعز نفسه ، فإن الكبر من الأمراض المهلكة وكذلك الرعونة ، وإن رأى الغالب عليه النظافة في البدن والثياب ورأى قلبه مائلا إلى ذلك فرحا به ملتفتا إليه استخدمه في تعهد بيت الماء وتنظيفه وكنس المواضع القذرة وملازمة المطبخ ومواضع الدخان حتى تتشوّش عليه رعونته في النظافة . فإن الذين ينظفون ثيابهم ويزينونها ويطلبون المرقعات النظيفة والسجادات الملوّنة لا فرق بينهم وبين العروس التي تزين نفسها طول النهار ، فلا فرق بين أن يعبد الانسان نفسه أو يعبد صنما فمهما عبد غير اللّه تعالى فقد حجب عن اللّه ، ومن راعى في ثوبه شيئا سوى كونه حلالا وطاهرا مراعاة يلتفت إليها قلبه فهو مشغول بنفسه .
ومن لطائف الرياضة إذا كان المريد لا يسخو بترك الرعونة رأسا أو بترك صفة أخرى ولم يسمح بضدها دفعة ؛ فينبغي أن ينقله من الخلق المذموم إلى خلق مذموم آخر
شرح
درهما ، والبنت ولو مريم ، والسؤال ولو أين الطريق ، ( فيكلفه المواظبة على ذلك مدة حتى ينكسر كبره وعزه ) وأنفته ، ( فإن الكبر من الأمراض المهلكة ، وكذا الرعونة ) في النفس ولا ينفع السلوك للمريد مع ملابستها . ( وإن رأى الغالب عليه النظافة في البدن والثياب ورأى قلبه مائلا إلى ذلك فرحا به ملتفتا إليه فيستخدمه في تعهد بيت الماء وتنظيفه وكنس المواضع القذرة وملازمة المطبخ ومواضع الدخان حتى تتشوّش عليه رعونته في النظافة ) ، ولما كان الأمر كذلك وغلبت هذه النفوس على المريدين رتب بعض مشايخ الطريق كل مريد في خدمة معينة في زاوية الشيخ . فمنهم من يتعاهد خدمة بيت الماء ، ومنهم من يتعاهد اخراج الماء من البئر لملء الميضأة ، ومنهم من يتعاهد صب الماء على أيدي الفقراء ، ومنهم من يتعاهد لكنس المحل ورشه ، ومنه من يتعاهد لخدمة المريدين في الزاوية ، ومنهم من يتعاهد خدمة المطبخ واصلاح ما تيسر من طعام ، ومنهم من يتعاهد للكدية فما فتح له منها يفرق على أهل الزاوية . فهذه الوظائف ما رتبوها إلا لتمرين النفوس الصعبة وتهذيب الاخلاق ، ( فإن الذي ينظفون ثيابهم ويزينوها ويطلبون المرقعات الرفيعة والسجادات الملونة لا فرق بينهم وبين العروس التي تزين نفسها طول النهار ) لأجل زوجها ليس لها همة إلا في ذلك ، ( ولا فرق بين أن يعبد الانسان نفسه أو يعبد صنما ) فمن تعلق بشيء والتفت إليه بقلبه فقد صار عابدا له ، ( فمهما عبد غير اللّه فقد صار محجوبا عن اللّه ، ومن راعى في ثوبه شيئا غير كونه حلالا أو طاهرا مراعاة يلتفت إليها قلبه فهو مشغول بنفسه ) محجوب عن ربه .
( ومن لطائف الرياضة أن النفس إذا كانت لا تسخو ) أي لا تسمح ( بترك الرعونة رأسا أو بترك صفة أخرى ولم تسمح بضدها دفعة ، فينبغي أن تنتقل من الخلق المذموم إلى