تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
يعظم خوفه منه فكذلك الأمر في وجوب الحسبة . فإن قيل : المكروه المتوقع ما حده ؟ فإن الإنسان قد يكره كلمة وقد يكره ضربة وقد يكره طول لسان المحتسب عليه في حقه بالغيبة ، وما من شخص يؤمر بالمعروف إلا ويتوقع منه نوع من الأذى وقد يكون منه أن يسعى به إلى سلطان أو يقدح فيه في مجلس يتضرر بقدحه فيه ، فما حدّ المكروه الذي يسقط الوجوب به ؟ قلنا : هذا أيضا فيه نظر غامض وصورته منتشرة ومجاريه كثيرة ، ولكنا نجتهد في ضم نشره وحصر أقسامه . فنقول : المكروه نقيض المطلوب ومطالب الخلق في الدنيا ترجع إلى أربعة أمور : أما في النفس فالعلم ، وأما في البدن فالصحة والسلامة ، وأما في المال فالثروة ، وأما في قلوب الناس فقيام الجاه ؟ فإذا المطلوب العلم والصحة والثروة والجاه . ومعنى الجاه ملك قلوب الناس ، كما أن معنى الثروة ملك الدراهم لأن قلوب الناس وسيلة إلى الأغراض كما أن ملك الدراهم وسيلة إلى بلوغ الأغراض - وسيأتي تحقيق معنى الجاه وسبب ميل الطبع
شرح
وهذا إذا لم يكن طريقه إلى مكة إلا من البحر وإلا فالبرّ يقدم . ( فكذلك الأمر في وجوب الحسبة ) . ( فإن قيل : فالمكروه المتوقع ما حدّه ؟ فإن الإنسان قد يكره كلمة ) يسمعها ، ( وقد يكره ضربة ، وقد يكره طول لسان المحتسب في حقه بالتعنيف بالغيبة ، وما من شخص يؤمر بالمعروف إلا ويتوقع منه نوع من الأذى وقد يكون منه أن يكره السعاية إلى السلطان أو يقدح فيه في مجلس من يتضرر بقدحه ، فما حدّ المكروه الذي يسقط الوجوب به ؟ قلنا : هذا أيضا فيه نظر غامض ) أي دقيق ( وصورة منتشرة ومجاريه كثيرة ولكنا نجتهد في ضم نشره وحصر أقسامه ، فنقول : المكروه نقيض المطلوب ومطالب الخلق في الدنيا ترجع إلى أربعة أمور : إما في النفس فالعلم ) لأن الإنسان لم يتميز عن البهائم إلا بالعقل ولم يشرف إلا بالعلم ، ومن شرف العلم أن كل حياة انفكت منه فهي غير معتد بها بل ليست في حكم الموجودة فإن الحياة الحيوانية لا تحصل ما لم يقارنها الإحساس فيلتذ بما يوافقه ويطلبه ويتألم مما يخالفه فيهرب منه ، وذلك أحسن المعارف ، وحاجة الإنسان إلى العلم أكثر من حاجته إلى المال لان العلم نافع لا محالة ونفعه دائم في الدنيا والآخرة . ( وأما في البدن فالصحة والسلامة ) من الأمراض الطارئة والأسقام العارضة ، ( وأما في المال فالثروة ) أي الكثرة ، ( وأما في قلوب الناس ، فقيام الجاه فإذا المطلوب العلم والصحة والثروة والجاه . ومعنى الجاه ملك قلوب الناس ) وتسخيرها ، ( كما أن معنى الثروة ملك الدراهم ) وجعلها في حوزته ( لأن قلوب الناس وسيلة إلى ) بلوغ ( الاغراض كما أن ملك الدراهم وسيلة ) إلى ذلك ، ( وسيأتي تحقيق