يصيبه مكروه أم يجب في كل حال إلا إذا غلب على ظنه أنه يصاب بمكروه ؟ قلنا : إن غلب على الظن أنه يصاب لم يجب ، وإن غلب أنه لا يصاب وجب ، ومجرد التجويز لا يسقط الوجوب ، فإن ذلك ممكن في كل حسبة ، وإن شك فيه من غير رجحان فهذا محل النظر ، فيحتمل أن يقال الأصل الوجوب بحكم العمومات وإنما يسقط بمكروه ، والمكروه هو الذي يظن أو يعلم حتى يكون متوقعا ، وهذا هو الأظهر . ويحتمل أن يقال : انه إنما يجب عليه إذا علم أنه لا ضرر فيه عليه أو ظن أنه لا ضرر عليه ، والأوّل أصح نظرا إلى قضية العمومات الموجبة للأمر بالمعروف .
فإن قيل : فالتوقع للمكروه يختلف بالجبن والجرأة ، فالجبان الضعيف القلب يرى البعيد قريبا حتى كأنه يشاهده ويرتاع منه ، والمتهوّر الشجاع يبعد وقوع المكروه به بحكم ما جبل عليه من حسن الأمل حتى أنه لا يصدق به إلا بعد وقوعه ، فعلى ما ذا التعويل ؟
قلنا : التعويل على اعتدال الطبع وسلامة العقل والمزاج ، فإن الجبن مرض وهو ضعف في القلب سببه قصور في القوّة وتفريط . والتهوّر إفراط في القوّة وخروج عن الاعتدال
شرح
يصيبه مكروه أم يجب في كل حال إلا إذا غلب على ظنه أنه يصاب بمكروه ) فلا يجب ؟
( قلنا : إن غلب على الظن أنه يصاب ) بمكروه ( لم يجب وإن غلب أنه لا يصاب وجب ) عملا بغلبة الظن في الموضعين ( ومجرد التجويز لا يسقط الوجوب ، فإن ذلك ممكن في كل حسبة وإن شك فيه من غير رجحان ، فهذا محل النظر ) للفقيه . ( فيحتمل أن يقال الأصل الوجوب بحكم العمومات ) القرآنية والحديثية ، ( وإنما يسقط بمكروه ، والمكروه هو الذي يظن أو يعلم حتى يكون متوقعا ، وهذا هو الأظهر . ويحتمل أن يقال إنه إنما يجب عليه إذا علم أنه لا ضرر فيه عليه أو ظن أنه لا ضرر عليه ) في الحال والمآل ، ( والأول أصح نظرا إلى قضية العمومات الموجبة للأمر بالمعروف .
فإن قيل : فالتوقع للمكروه يختلف بالجبن والجرأة فالجبان الضعيف القلب يرى البعيد قريبا حتى كأنه يشاهده ) بعينه حاضرا ( ويرتاع منه ) أي يخاف ، ( والمتهوّر الشجاع يبتعد وقوع المكروه بحكم ما جبل عليه من حسن الأمل حتى أنه لا يصدق به إلا بعد وقوعه ، فعلى ما ذا التعويل ) والاعتماد ؟ وهذا الذي ذكره في الشجاع صحيح . وأما الذي يرى البعيد قريبا فقد يكون ذلك عن جبن وخلع وضعف قلب فهو مسلم أيضا ، ولكن قد يصدر ذلك عن كثرة التجارب ومتانة الرأي وصدقه فلا يحكم لصاحبه أنه جبان فليتأمل في ذلك ؟ ( قلنا :
التعويل على اعتدال الطبع وسلامة العقل والمزاج فإن الجبن مرض وهو ضعف في القلب سببه قصور في القوّة ) الغريزية ( وتفريط ) وفسره الراغب بأنه هيئة حاصلة للقوّة الغضبية بها يحجم عن مباشرة ما ينبغي ، ( والتهوّر إفراط في القوّة وخروج عن الاعتدال بالزيادة ) وقال