هذا المجرى ، بل القلب أولى بمؤاخذته لأنه الأصل . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « التقوى ههنا وأشار إلى القلب » . وقال اللّه تعالى :
لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ
[ الحج : 37 ] وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « الاثم حوّاز القلوب » وقال « البر ما اطمأن إليه قلب وإن أفتوك وأفتوك » حتى إنا نقول إذا حكم القلب المفتي بايجاب شيء وكان مخطئا فيه صار مثابا عليه ، بل من قد ظن أنه تطهر فعليه أن يصلي ، فإن صلّى ثم تذكر أنه لم يتوضأ كان له ثواب بفعله . فإن تذكر ثم تركه كان معاقبا عليه . ومن وجد على فراشه امرأة فظن أنها زوجته لم يعص بوطئها وإن كانت أجنبية فإن ظن أنها أجنبية ثم وطئها عصى بوطئها وإن كانت زوجته . وكل ذلك نظر إلى القلب دون الجوارح .
بيان أن الوسواس هل يتصوّر أن ينقطع بالكلية عند الذكر أم لا ؟
شرح
وهذا معنى قولهم والثانية عليك ، ( فكذا خواطر القلب تجري هذا المجرى بل القلب أولى بمؤاخذته لأنه الأصل . قال صلّى اللّه عليه وسلّم « التقوى ههنا وأشار إلى القلب » ) قال العراقي : رواه مسلم من حديث أبي هريرة وقال إلى صدره ، ( وقال تعالىلَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْوقال صلّى اللّه عليه وسلّم ) فيما رواه ابن مسعود ما حاك في صدرك فدعه ( « الاثم حوّاز القلوب » ) بتشديد الواو وبتشديد الزاي وجهان يعني ما يؤثر فيها فيحزها أو يحوزها لرقتها وصفائها ولينها ولطفها وقد تقدم في كتاب العلم مفصلا . ( وقال ) صلّى اللّه عليه وسلّم ( « البر ما اطمأن إليه القلب ) وسكنت إليه النفس ( وإن أفتوك وأفتوك » ) رواه الطبراني من حديث أبي ثعلبة ولأحمد نحوه من حديث وابصة بلفظ « وإن أفتاك الناس وأفتوك » وقد تقدما في كتاب العلم .
فهذا وصف قلب مكاشف بالذكر ونعت نفس ساكنة بمزيد السكينة والبر ، ولفظ حديث وابصة « استفت قلبك وإن أفتاك المفتون » أي ان المفتين يعلمون معنى التأويل والرخصة من علمهم العلانية ، وأنت على علم فوقهم مطالب بالتحقيق والعزيمة على علمك السر ، ( حتى إنا نقول : إذا حكم قلب المفتي بايجاب شيء وكان مخطئا صار مثابا على فعله ) نظرا لحكم القلب ، ( بل من ظن أنه متطهر فعليه أن يصلي ثم تذكر كان له ثواب بفعله وإن ترك ثم تذكر كان معاقبا ، ومن وجد على فراشه امرأة فظن أنها زوجته ) فوطئها ( لم يعص بوطئها وإن كانت أجنبية في الحقيقة ، وإن ظن أنها أجنبية فوطئها عصى وإن كانت زوجته كل ذلك نظرا إلى القلب دون الجوارح ) . فالقلوب تؤاخذ بأعمالها وعزومها كما أن الجوارح تؤاخذ بأعمالها .