أعمال القلب هو الذي لا يؤاخذ به ، فهذا هو كشف الغطاء عن هذا الالتباس . وكل من يظن أن كل ما يجري على القلب يسمى حديث النفس ولم يفرق بين هذه الأقسام الثلاثة فلا بدّ وان يغلط وكيف لا يؤاخذ بأعمال القلب من الكبر والعجب والرياء والنفاق والحسد وجملة الخبائث من أعمال القلب ، بل السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ؟ أي ما يدخل تحت الاختيار ، فلو وقع البصر بغير اختيار على غير ذي محرم لم يؤاخذ به فإن اتبعها نظرة ثانية كان مؤاخذا به لأنه مختار فكذا خواطر القلب تجري
شرح
ابن عباس فقال : إن هذه الآية لما أنزلت غمت أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم غما شديدا وغاظتهم غيظا شديدا وقالوا : يا رسول اللّه هلكنا إن كنا نؤاخذ بما تكلمنا وبما نعمل ، فأما قلوبنا فليست بأيدينا . فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « قولوا سمعنا وأطعنا » قال : فنسختها هذه الآيةآمَنَ الرَّسُولُإلىوَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْفتجوّز لهم عن حديث النفس وأخذوا بالأعمال .
وأخرج أبو داود في ناسخه وابن جرير بسند صحيح عن سعيد بن مرجانة إنه بينما هو جالس مع عبد اللّه بن عمر تلا هذه الآيةوَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُالآية فقال : واللّه لئن آخذنا اللّه بهذا لنهلكن ثم بكى حتى سمع نشيجه . قال ابن مرجانة : فقمت حتى أتيت ابن عباس فذكرت له ما قال ابن عمر . فقال ابن عباس : يغفر اللّه لأبي عبد الرحمن العمري لقد وجد المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد عبد اللّه بن عمر ، فأنزل اللّه بعدهالا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساًالآية آخر السورة . قال ابن عباس : فكانت هذه الوسوسة لا طاقة للمسلمين بها وصار الأمر إلى أن قضى اللّه أن للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت من القول والعمل .
وقد روي نحو ذلك من حديث علي وابن مسعود وغيرهما ، وعند الفريابي وابن المنذر عن محمد ابن كعب القرظي قال : لما نزلت هذه الآية اشتد على المسلمين فقالوا : يا رسول اللّه أنؤاخذ بما تحدث به أنفسنا ولم تعمله جوارحنا ؟ قال : « نعم فاسمعوا وأطيعوا واطلبوا إلى ربكم فذلك قولهآمَنَ الرَّسُولُالآية » . فوضع اللّه عنهم حديث النفس إلا ما عملت الجوارح لها ما كسبت من خير وعليها ما اكتسبت من شر ، وفي الآية أقوال أخر ذكرناها قريبا .
( فظهر به ان كل ما لا يدخل تحت الوسع من أعمال القلب هو الذي لا يؤاخذ به ، فهذا هو كشف الغطاء عن هذا الالتباس وكل من يظن أن كل ما يجري على القلب يسمى حديث النفس ولم يفرق بين هذه الأقسام الثلاثة فلا بدّ وان يغلط ) في ظنه ويخطئ في فهمه ، ( وكيف لا يؤاخذ بأعمال القلوب والكبر والعجب والرياء والنفاق والحسد وجملة الخبائث من أعمال القلوب ) وعزمها ، وقد تظاهرت نصوص الشرع وأقوال العلماء على تحريمها ، ( بل السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا . أي مما يدخل تحت الاختيار ، فلو وقع البصر بغير اختيار على غير ذي محرم لم يؤاخذ بها ) وهذا معنى قولهم النظرة الأولى لك ، ( فإذا اتبعها نظرة ثانية كان مؤاخذا بها لأنه مختار ) ولولا اختياره لما نظر إليها ثانيا ،