والدليل على هذا التفصيل ما روي في الصحيح مفصلا في لفظ الحديث . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « قالت الملائكة عليهم السلام رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به ، فقال : ارقبوه فإن هو عملها فاكتبوها له بمثلها ، وإن تركها فاكتبوها له حسنة إنما تركها من جرائي » . وحيث قال : فإن لم يعملها أراد به تركها للّه . فأما إذا عزم على
شرح
لا توطن النفس عليها ولا يصحبها عقد ولا نية عزم اه . قال النووي : هو ظاهر حسن لا مزيد عليه .
( والدليل على هذا التفصيل ما ورد في الصحيح ) لمسلم ( مفصلا في لفظ الحديث ) رواه عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن همام عن أبي هريرة قال : ( قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « قالت الملائكة : رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر ) به ( فقال : ارقبوه فإن عملها فاكتبوها ) له ( بمثلها وإن تركها فاكتبوها له حسنة إنما تركها من جرائي » ) بفتح الجيم وتشديد الراء يقصر ويمد أي من أجلي . يقال : فعلته من جراك ومن جرائك ومن جريرتك أي من أجلك ، ( وحيث قال لم يعملها أراد به تركها للّه ) . وعند البخاري فإن تركها من أجلي فاكتبوها حسنة زيادة على قوله أيضا في لفظ : فإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها ما لم يعملها لأنه لا يلزم من مغفرتها كتابة حسنة بسبب تركها ، وهو مقيد في الحديث بأن يكون تركها من أجل اللّه ، وعليه يدل ما عند مسلم . إنما تركها من جرائي فإن التعليل بذلك دال على تصوير المسألة به ، ووجهه أن تركه لها لخوف اللّه تعالى ومجاهدته نفسه الأمارة بالسوء في ذلك وعصيانه هواه حسنة .
وفي الصحيحين من حديث ابن عباس « ومن همّ بسيئة فلم يعملها كتبها اللّه عنده حسنة كاملة » فلم يقيد ذلك بأن يكون لأجل اللّه تعالى ، فقد يمسك به على كتابتها حسنة ، وإن لم يتركها لخوف اللّه تعالى . وقد حكى القاضي عياض عن بعض المتكلمين أنه ذكر في ذلك خلافا وعلل كتابتها حسنة بأنه إنما حمله على تركها الحياء . قال القاضي عياض : وهذا ضعيف لا وجه له . قال الولي العراقي : والظاهر حمل هذا المطلق على ذلك المقيد فهو الذي يقتضيه الدليل وتساعده القاعدة واللّه أعلم .
وقال الخطابي : إذا لم يعملها تاركا لها مع القدرة عليها لا إذا همّ بها فلم يعملها مع العجز عنها وعدم القدرة عليها ، ولا يسمى الإنسان تاركا للشيء الذي لا يتوهم قدرته عليه ، وقوله عند مسلم : فاكتبوها بمثلها ، وعند البخاري فأنا أكتبها له بمثلها أي إن جازيته على ذلك ، وقد يتجاوز اللّه عنه فلا يؤاخذه بها . وفي لفظ مسلم في حديث ابن عباس « كتبها اللّه سيئة واحدة أو محاها اللّه » وعنده أيضا من حديث أبي ذر « ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئة مثلها أو أغفر » وعند البخاري معلقا من حديث أبي سعيد الخدري « وكل سيئة يعملها له بمثلها إلا أن يتجاوز اللّه عنها » ووصله النسائي في سننه ، وكذلك وصله الدارقطني في غرائب مالك من تسعة طرق .