تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
فإن قيل : فما معنى قوله تعالى :
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
[ البقرة : 195 ] قلنا : لا خلاف في أن المسلم الواحد له أن يهجم على صف الكفار ويقاتل وإن علم أنه يقتل ، وهذا ربما يظن أنه مخالف لموجب الآية وليس كذلك ، فقد قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : ليس التهلكة ذلك ، بل ترك النفقة في طاعة اللّه تعالى أي من لم يفعل ذلك فقد أهلك نفسه . وقال البراء بن عازب : التهلكة هو أن يذنب الذنب ثم يقول لا يتاب عليّ . وقال عبيدة : هو أن يذنب ثم لا يعمل بعده خيرا حتى يهلك . وإذا جاز أن يقاتل الكفار حتى يقتل جاز أيضا له ذلك في الحسبة ، ولكن لو علم أنه لا نكاية لهجومه على الكفار كالأعمى يطرح نفسه على الصف أو العاجز ، فذلك حرام وداخل تحت عموم آية التهلكة . وإنما جاز له الإقدام إذا علم أنه يقاتل إلى أن يقتل أو علم أنه يكسر قلوب الكفار بمشاهدتهم
شرح
( فإن قيل فما معنى قوله تعالى :وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِأي الهلاك وهذا الذي ذكرته إلقاء إلى الهلاك ؟ ( قلنا : لا خلاف في أن المسلم الواحد له أن يهجم على صف الكفار يقاتل ، وإن علم أنه يقتل وهذا ربما يظن أنه مخالفة لموجب الآية وليس كذلك ، فقد قال ابن عباس ) رضي اللّه عنهما : ( ليس التهلكة ذلك ) وهو أن يرمي المجاهد نفسه في صف الكفار ويقاتل كما تظنون ، ( بل ) المراد به ( ترك النفقة في طاعة اللّه تعالى أي من لم يفعل ذلك فقد أهلك نفسه ) هكذا هو في سائر النسخ وما أراه إلا تصحيفا ، فإن المروي عن ابن عباس قال : ليس التهلكة أن يقاتل الرجل في سبيل اللّه ولكن ترك النفقة في سبيل اللّه . هكذا أخرجه الطبراني وابن جرير وابن المنذر من طريق سعيد بن جبير عنه ، وروي مثله عن حذيفة بلفظ : ولكن الامساك عن النفقة في سبيل اللّه أخرجه سعيد بن منصور ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن المنذر . وأخرجه البخاري وقال : نزلت في النفقة . وأخرجه ابن جرير عن عكرمة قال : نزلت في النفقات في سبيل اللّه . فقول المصنف ترك النفقة إما غلط من النساخ أو تصحيف فتأمل . ( وقال البراء بن عازب ) الأنصاري رضي اللّه عنهما ( هو أن يذنب ) العبد ( الذنب ثم يقول : لا يتاب عليّ ) أي لا تقبل توبتي أخرجه الفريابي ، وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والحاكم وصحح بلفظ : هو الرجل يذنب الذنب فيقول لا يغفر اللّه لي ، وروي مثله عن النعمان بن بشير أخرجه ابن مردويه وابن المنذر والطبراني والواحدي بسند صحيح . ( وقال عبيدة ) بن عمرو السلماني المرادي ، أبو عمرو الكوفي تابعي كبير مخضرم فقيه ثبت كان شريح إذا أشكل عليه شيء سأله ، مات قبل السبعين وهو بفتح العين المهملة وكسر الموحدة ( هو أن يذنب ثم لا يعمل بعده خيرا حتى يهلك ) أخرجه ابن جرير عنه مرسلا ، ( وإذا جاز أن يقاتل الكفار حتى يقتل جاز أيضا ذلك في الحسبة ) إذ كل منهما جهاد ، ( ولكن لو علم أنه لا نكاية لهجومه على الكفار كالأعمى يطرح نفسه على الصف أو العاجز ، فذلك حرام داخل تحت عموم آية التهلكة ) فإنه القى بيده إلى هلاك نفسه ، ( وإنما جاز له الإقدام ) على صفهم ( إذا علم أنه يقاتل إلى أن
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 53 | مرتضى الزبيدي