وأبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم من الأئمة فكل من ادعى مذهب امام وهو ليس يسير بسيرته فذلك الإمام هو خصمه يوم القيامة إذ يقول له : كان مذهبي العمل دون الحديث باللسان ، وكان الحديث باللسان لأجل العمل لا لأجل الهذيان ؛ فما بالك خالفتني في العمل والسيرة التي هي مذهبي ومسلكي الذي سلكته وذهبت فيه إلى اللّه تعالى ، ثم ادعيت مذهبي كاذبا ؟ وهذا مدخل عظيم من مداخل الشيطان قد أهلك به أكثر العالم ، وقد سلمت المدارس لأقوام قل من اللّه خوفهم وضعفت في الدين بصيرتهم وقويت في الدنيا رغبتهم واشتد على الاستتباع حرصهم ولم يتمكنوا من الاستتباع وإقامة الجاه إلا بالتعصب ، فحبسوا ذلك في صدورهم ولم ينبهوهم على مكائد الشيطان فيه ، بل نابوا عن الشيطان في تنفيذ مكيدته فاستمر الناس عليه ونسوا أمهات دينهم فقد هلكوا وأهلكوا فاللّه تعالى يتوب علينا وعليهم . وقال الحسن : بلغنا أن إبليس قال : سوّلت لأمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم المعاصي فقصموا ظهري بالاستغفار فسوّلت لهم ذنوبا لا يستغفرون اللّه تعالى منها وهي الأهواء . وقد صدق الملعون فإنهم لا يعلمون أن ذلك من الأسباب التي تجر إلى المعاصي فكيف يستغفرون منها ؟
شرح
ومالك وأحمد وغيرهم من الأئمة ) المتبوعين رضي اللّه عنهم ، ( فكل من ادعى مذهب إمام وهو ليس يسير بسيرته ) المعهودة عنه من زهد في الدنيا وتقوى من اللّه وإخلاص في العمل ، ( فذلك الإمام هو خصمه يوم القيامة إذ يقول له : كان مذهبي العمل ) بالعلم الذي تلقفته ( دون الحديث باللسان ، و ) إنما ( كان الحديث باللسان لأجل العمل ) به ( لا لأجل الهذيان ) والتعصبات ، ( فما بالك خالفتني في العمل والسيرة التي هي مذهبي ومسلكي الذي سلكته ، وذهبت إليه ) وحثيت عليه ( ثم ادعيت مذهبي كاذبا . وهذا مدخل عظيم من مداخل الشيطان قد أهلك به أكثر العالم ، وقد سلمت المدارس لأقوام قل من اللّه خوفهم وضعفت في الدين بصيرتهم وقويت في الدنيا رغبتهم ) وأطماعهم ، ( واشتد على الاستتباع حرصهم ولم يتمكنوا من الاستتباع وإقامة الجاه إلا بالتعصب ) لمذاهبهم واعتقاداتهم ، ( فحبسوا ذلك في صدورهم ولم ينبهوهم على مكائد الشيطان ) وخدعه ( فيه ، بل نابوا عن الشيطان في تنفيذ مكائده بهم فاستمر الناس عليه ونسوا أمهات دينهم فقد هلكوا ) بأنفسهم ( وأهلكوا ) غيرهم ، ( واللّه تعالى يتوب علينا وعليهم ) .
( وقال الحسن ) البصري رحمه اللّه تعالى : ( بلغنا أن إبليس قال : سوّلت لأمة محمد المعاصي ) أي زينتها في أعينهم ( فقطعوا ظهري بالاستغفار فسوّلت لهم ذنوبا لا يستغفرون اللّه منها وهي الأهواء ) أي اتباع ما تهواه نفوسهم فظنوها عبادة لا ذنوبا . ( وقد صدق الملعون فإنهم لا يعلمون أن ذلك من الأسباب التي تجر إلى المعاصي فكيف يستغفرون