تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 492

مساهمون:

ص٤٩٢
من أصابع الرحمن » فاللّه يتعالى عن أن يكون له أصبع مركبة من لحم وعظم ودم وعصب منقسمة بالأنامل ولكن روح الأصبع سرعة التقلب والقدرة على التحريك والتغيير ، فإنك لا تريد أصبعك لشخصه بل لفعله في التقليب والترديد كما أنك تتعاطى الأفعال بأصابعك ، واللّه تعالى يفعل ما يفعل باستسخار الملك والشيطان وهما مسخران بقدرته في تقليب القلوب ، كما أن أصابعك مسخرة لك في تقليب الأجسام مثلا . والقلب بأصل الفطرة صالح لقبول آثار الملك ولقبول آثار الشيطان صلاحا متساويا ليس يترجح أحدهما على الآخر ، وإنما يترجح أحد الجانبين باتباع الهوى والإكباب على الشهوات أو الإعراض عنها ومخالفتها ، فإن اتبع الإنسان مقتضى الغضب والشهوة ظهر تسلط الشيطان بواسطة الهوى وصار القلب عش الشيطان ومعدنه لأن الهوى هو مرعى الشيطان ومرتعه ، وإن جاهد الشهوات ولم يسلطها على نفسه وتشبه بأخلاق الملائكة عليهم السلام صار قلبه مستقر الملائكة ومهبطهم ولما كان لا يخلو قلب عن شهوة وغضب وحرص
شرح
من أصابع الرحمن » ) رواه مسلم من حديث عبد اللّه بن عمر وقد تقدم قريبا . ( فاللّه يتعالى عن أن يكون له أصبع مركبة من لحم وعظم ودم منقسمة بالأنامل ، ولكن روح الأصبع سرعة التقليب والقدرة على التحريك والتغيير ، فإنك لا تريد أصبعك لشخصه بل لفعله في التقليب والترديد كما أنك تتعاطى الأفعال باصابعك ) وجميع الألفاظ الموهومة في الأخبار يكفي في دفع ايهامها قرينة واحدة وهي معرفة اللّه ومعرفة أنه ليس بجسم تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا . ( واللّه تعالى إنما يفعل ما يفعله باستسخار الملك والشيطان وهما مسخران بقدرته في تقليب القلوب ) أي جرها إلى خير أو شر ، ( كما أن أصابعك مسخرة لك في تقليب الأجسام مثلا والقلب بأصل الفطرة صالح القبول آثار الملك ولقبول آثار الشيطان صلاحا متساويا ) بطرفيه ( ليس يترجح أحدهما على الآخر ، وإنما يترجح أحد الجانبين باتباع الهوى والإكباب على الشهوات ) أي الملازمة عليها ( والإعراض عنها ومخالفتها فإن اتبع الإنسان مقتضى الغضب والشهوة ظهر تسليط الشيطان بواسطة الهوى وصار القلب عش الشيطان ) أي مأواه ( ومعدنه ) أي محل إقامته ( لأن الهوى هو مرعى الشيطان ومرتعه ، وإن جاهد الشهوات ولم يسلطها على نفسه ) بأن تنصل عنها واسترذلها ( وتشبه بأخلاق الملائكة عليهم السلام صار قلبه مستقر الملائكة ومهبطهم ) . اعلم أن المستولي على الإنسان أوّلا شهوته وغضبه وبحسب مقتضاهما انبعاثه إلى أن يظهر فيه الرغبة في طلب الكمال والنظر للعاقبة وعصيان مقتضى الشهوة والغضب ، فإن غلب الشهوة والغضب حتى ملكهما وضعفا عن تحريكه وتسكينه أخذ بذلك شبها من الملائكة ، وكذلك إن فطم نفسه عن الجحود والخيالات والمحسوسات وأنس بالإدراك أخذ شبها آخر من الملائكة فإن خاصية الحياة