تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 490

مساهمون:

ص٤٩٠
خَلَقْنا زَوْجَيْنِ
[ الذاريات : 49 ] فإن الموجودات كلها متقابلة مزدوجة إلا اللّه تعالى فإنه فرد لا مقابل له بل هو الواحد الحق الخالق للأزواج كلها ، فالقلب متجاذب بين الشيطان
شرح
الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ[ الانفطار : 7 ] وقوله تعالىلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ[ التين : 4 ] ( فإن الموجودات كلها متقابلة مزدوجة ) مسوّاة معدولة مقوّمة ( إلا اللّه تعالى ، فإنه لا مقابل له ) كما أنه لا شريك له ، ( بل هو الواحد الحق ) المطلق ( الخالق للأزواج كلها ) . وقد قسم صاحب القوت وفسر أسماءها بما يقرب من تقدير المصنف فقال : ما وقع في القلب من عمل الخير فهو إلهام ، وما وقع من عمل الشر فهو وسواس ، وما وقع في القلب من المخاوف فهو إيجاس ، وما كان من تقدير الخير وأمله فهو نية ، وما كان من تدبير المباحات والطمع فيها وترجيها فهو أمل وأمنية ، وما كان من تذكر أمر الآخرة والوعد والوعيد فهو تذكر وتفكر ، وما كان من معاينة الغيب بعين اليقين فهو مشاهدة ، وما كان من تحدث النفس بمعاشها فهو هم ، وما كان من خواطر العادات ونوازع الشهوات فهو لمم ويسمى جميع ذلك خواطر لأنه خطور همة نفس أو خطور عدوّ بحدس أو خطرة ملك بهمس ، ثم إن ترتيب الخواطر المنشأة من خزائن الغيب القادحة في القلب على ستة معان وهي حدود الشيء المظهر . ثلاثة منها معفوّة ، وثلاثة مطالب بها . فأوّل ذلك الهمة وهو ما يبدو من وسوسة النفس بالشيء يجده العبد بالحس كالبرق فإن صرفها بالذكر امتحت وإن تركها بالغفلة صارت خواطر وهو خطور العدوّ بالتزيين ، وإن نفى الخاطر ذهب وإن دنا منه فصار وسوسة ، وهذه محادثة النفس للعدوّ واصغاؤها إليه وإن نفى العبد هذه الوسوسة بذكر اللّه عز وجل خنس العدوّ وضعفت النفس . وهذه الثلاثة معفوّة رحمة من اللّه سبحانه غير مؤاخذ بها العبد وإن مرح العدوّ والنفس في محادثة العدوّ وطاولت النفس للعدوّ بالإصغاء والمحادثة قويت الوسوسسة . فصارت نية ، فإن أبدل العبد هذه النية بنية خير أو استغفر منها وتاب وإلا قويت فصارت عقدا ، فإن حلّ هذا العقد بالتوبة وهو الإصرار والأقوى فصار عزما وهو القصد ، وهذه الثلاث من أعمال القلب مأخوذ بها العبد ومسؤول عنها فإن تداركه اللّه تعالى بعد العزم وإلا تمكن العزم فصار طلبا وسعيا وظهور العمل على الجوارح من خزانة الغيب والملكوت فصار من أعمال الجسم في خزانة الملك والشهادة ، فهذه المعاني توجد من أعمال البر والإثم . فما كان منها من البرهمة ونية وعزما كان محسوبا للعبد في باب النيات مكتوبا له في ديوان الإرادات له به حسنات ، وما كان منها من الشرنية وعقدا وعزما ، فعلى العبد فيه مؤاخذة من باب أعمال القلوب ونيات السوء وعقود المعاصي وليس مجانس للعدوّ ومؤاخ له إلا النفس جمع بينهما في الوسوسة . قال اللّه تعالىالْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ[ الناس : 4 ] وقال تعالىوَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ[ ق : 16 ] وكل شيء خلقه اللّه تعالى فله مثل وضد ، فمثل النفس الشيطان وضدها الروح ، وأعمال الجوارح من النوعين الطاعة والمعصية أعظم في الأجر والوزر معا إلا ما لا يتأتى أن يعلمه بظاهر الجسم من شهادة التوحيد أو وجود شك وكفر واعتقاد بدعة واللّه اعلم .