69 ] وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من عمل بما علم ورثه اللّه علم ما لم يعلم » .
الثالث : أن يكون معدولا به عن جهة الحقيقة المطلوبة فإن قلب المطيع الصالح وإن كان صافيا فإنه ليس يتضح فيه جلية الحق لأنه ليس يطلب الحق وليس محاذيا بمرآته شطر المطلوب ، بل ربما يكون مستوعب الهم بتفصيل الطاعات البدنية أو بتهيئة أسباب المعيشة ولا يصرف فكره إلى التأمل في حضرة الربوبية والحقائق الخفية الإلهية ، فلا ينكشف له إلا ما هو متفكر فيه من دقائق آفات الأعمال وخفايا عيوب النفس إن كان متفكرا فيها ، أو مصالح المعيشة إن كان متفكرا فيها . وإذا كان تقييد الهم بالأعمال وتفصيل الطاعات مانعا عن انكشاف جلية الحق فما ظنك فيمن صرف الهم إلى الشهوات
شرح
بالفحشاء والتفكر فصابروه وغلبوا نفوسهم بإماتتها ( لنهدينهم سبلنا ) أي لنطرقنهم إلى مكاشفات العلوم ولنوصلنهم إلى أقرب الطريق إلينا بحسن مجاهدتهم فينا ، ثم ختم الأمر بقولهوَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ .( وقال صلّى اللّه عليه وسلّم « من عمل بما علم ورثه اللّه علم ما لم يعلم » ) رواه أبو نعيم في الحلية من حديث أنس ، وقد تقدم في كتاب العلم . وأورده صاحب القوت ثم قال : أي من معرفة الأختبار والاختيار والابتلاء والاجتباء والتعريف والتأديب والمثوبة والعقوبة والقبض والبسط والحل والعقد والجمع والتفرقة إلى غير ذلك من علوم المعارف بعد حسن التفقه عن معرفة المنقص والمزيد بصفاء القلب وصحة المواجيد . وفسر بعض العلماء قوله تعالىوَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَفقال : هم الذين يعملون بما يعلمون . قال : يوفقهم ويهديهم إلى ما لا يعلمون حتى يكونوا علماء حكماء ولأجل هذه المناسبة أورد المصنف هذا الحديث عقب الآية .
وقال بعض السلف : هذه الآية نزلت في المتعبدين المنقطعين إلى اللّه عز وجل المستوحشين من الناس ، فيسوق اللّه إليهم من يعلمهم أو يلهمهم التوفيق والعصمة . وقال بعض التابعين : من عمل بعشر ما يعلم علمه اللّه ما يجهل ووفقه فيما يعمل حتى يستوجب الجنة ، ومن لم يعمل بما يعلم تاه فيما يعلم ولم يوفق فيما يعمل حتى يستوجب النار .
( الثالث : أن يكون معدولا به عن جهة الحقيقة المطلوبة فإن القلب المطيع الصالح وإن كان صائبا فإنه ليس يتضح فيه جلية الحق لأنه ليس يطلب الحق ) أي ليس بصدده ، ( وليس يحاذي بمرآته شطر المطلوب بل ربما يكون مستوعب الهم ) مستغرق الفكر ( بتفصيل الطاعات البدنية ) إن كان فارغ البال ، ( أو بتهيؤ أسباب المعيشة ) له ولأهله ، ( ولا يصرف فكره إلى التأمل في حضرة الربوبية والحقائق الخفية ) أسرارها ( الإلهية ، فلا ينكشف له إلا ما هو متفكر فيه من دقائق آفات الأعمال وحقائق عيوب النفس إن كان متفكرا فيه أو مصالح المعيشة إن كان متفكرا فيها ، وإذا كان تقييدا لهم بالأعمال وتفصيل الطاعات ) التي تقرب إلى اللّه ( مانعا عن انكشاف جلية الحق فما ظنك في صرف الهم إلى شهوات الدنيا