شرح
النظر والعلم والحكمة والدراية والتدبير والمهنة والرأي والمشورة . فأما القوى المدركة منها فخمس :
الحواس والخيال والتفكر والعقل والحفظ . فأما الحواس فلكل واحد منها إدراك مخصوص فللمس عشر إدراكات الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة واللين والخشونة ، والصلابة والرخاوة والثقل والخفة ، وللذوق سبع الحلاوة والمرارة والملوحة والحموضة والحرافة والعفوصة والعذوبة ، وللشم اثنان الطيب والنتن ، وللسمع اثنان الصوت الخفيف والصوت الثقيل ، وللبصر إحدى عشرة النور والظلمة واللون والجسم وسطحه وشكله ووصفه وإبعاده وحركاته وسكناته واعداده ، فأدون هذه الإدراكات اللمس ، ثم الذوق ثم الشم فالنفس لا تكاد تستعين بها إلا فيما يعود نفعه إلى صلاح الجسم ، وأرفع الإدراكات العقل ثم الفكر ثم التخيل ثم الحس ، إلا أن العقل والفكر يدركان الأشياء الروحانية ، فأما السمع والبصر فمتوسطان ، فإنهما يخدمان النفس والجسم وخدمتهما للنفس أكثر ويدركان الأشياء الجسمانية والتخيل متوسط بين العقل والفكر وبين السمع والبصر فيأخذ تارة من السمع والبصر ويسلم إلى العقل والفكر ، وذلك في حال اليقظة ، ويأخذ تارة من العقل والفكر ويسلم إلى السمع والبصر وذلك في حال النوم . وفي شرح الشفاء للخفاجي عند ذكره الحواس الخمس الباطنة قد أنكرها قوم وأثبتها الحكماء على أنهم في إثبات أماكنها في حيص بيص اه ملخصا .
قلت : وتحقيق الكلام فيه أن القوى المدركة خمس في الظاهر ، وخمس في الباطن . فالخمس الظاهرة قوة البصر وموضعها عند التقاطع الصلبي بين العصبتين الآتيتين إلى العينين من شأنها إدراك الألوان والأضواء والأشكال والمقادير والحركات وقوة السمع ، وموضعها العصب المفروش على الصماخ من شأنها إدراك الأصوات وقوة الشم وموضعها الزائدتان من الدماغ التشبيهتان بحلمتي الثدي من شأنها إدراك الرائحة المتصعدة مع الهواء المستنشق المتكيف بها ، وقوة الذوق وموضعها العصب المفروش على اللسان من شأنها إدراك الطعوم بتكيف الرطوبة اللعابية التي في الفم وقوة اللمس وموضعها الجلد ، وأكثر اللحم من شأنها إدراك الملموسات في حرها وبردها ورطوبتها ويبوستها وخشونتها وصلابتها وملاستها ولينها وخفتها وثقلها . وأما الخمس الباطنة فمنها مدركة للصور المحسوسة بالإدراك الظاهر عند حضور المحسوسات وحال غيبتها وهي الحس المشترك المدرك لما يدركه الحواس الخمس الظاهرة وموضعه مقدم البطن المقدم من الدماغ وخزانته الخيال إذ فيه ، تجتمع صور المحسوسات بعد غيبتها من الحواس الظاهرة فتحفظ تلك الصور وموضعه مؤخر البطن المقدم ، ومنها مدركة للمعاني الجزئية التي ليست بمحسوسة القائمة بتلك الصور المحسوسة كصداقة زيد وعداوة عمرو ، وهي الوهم وموضعها البطن الأوسط وخزانته الحافظة ، وموضعها البطن المؤخر ومنها متصرفة وهي القوة التي تحلل الصور وتركبها وتحلل المعاني وتركبها ، فتارة تفصل الصورة عن الصورة والمعنى عن المعنى والصورة عن المعنى ، وتارة تركب الصورة بها وبالمعنى وتارة تركب المعنى بها . وبالصورة وهي إن استعملت في الأمور الجزئية تسمى متخيلة ، ومحل هذه القوة الدودة التي في وسط الدماغ ، والدليل على اختصاص هذه القوى بهذه المواضع اختلال فعلها بخلل هذه المواضع ، فإن الفعل إذا اختص بالموضع أورث الآفة في فعل القوة