أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبد المطلب
فما رؤي يومئذ أحد كان أشد منه .
شرح
قلت : ورواه ابن سعد عن محمد بن علي مرسلا بلفظ : كان شديد البطش . قال الشارح : ومع ذلك فلم تكن الرحمة منزوعة عن بطشه لتخلقه بأخلاق اللّه تعالى وهو سبحانه ليس له وعيد وبطش شديد ليس فيه شيء من الرحمة واللطف . وقال العراقي : وللطبراني من حديث عبد اللّه بن عمرو وأعطيت قوة أربعين في البطش والجماع وسنده ضعيف .
( ولما غشيته المشركون ) يوم حنين ( نزل ) عن بغلته ( فجعل يقول ) :( أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبد المطلب )قال العراقي : متفق عليه من حديث البراء اه .
قلت : ومعنى قوله : أنا النبي لا كذب أي حقا فلا أفرق ولا أزول أي صفة النبوّة يستحيل معها الكذب ، فكأنه قال : أنا النبي والنبي لا يكذب لست بكاذب فيما أقول حتى انهزم ، بل أنا متيقن ان ما وعدني اللّه تعالى من النصر حق فلا يجوز علي الفرار . أنا ابن عبد المطلب فيه دليل لجواز قول الإنسان في الحرب أنا فلان بن فلان ومنه قول علي رضي اللّه عنه :
أنا الذي سمتني أمي حيدره .
وقول سلمة : أنا ابن الأكوع ، والمنهي عنه قول ذلك على وجه الافتخار كما كانت الجاهلية تفعله وانتسب لجده عبد المطلب دون أبيه عبد اللّه لأنه توفي شابا في حياة أبيه عبد المطلب فلم يشتهر كاشتهار أبيه ، وكان عبد المطلب سيد قريش وسيد أهل مكة ، ومن ثم نسب إليه صلّى اللّه عليه وسلّم في نحو قول ضمام : أيكم ابن عبد المطلب ؟ ( فما رؤي يومئذ أحد أشد منه صلّى اللّه عليه وسلّم ) لأنه لما استقبلهم من هوازن ما لم يروا مثله قط من السواد والكثرة ، وذلك في غبش الصبح ، وخرجت الكتائب من مضيق الوادي فحملوا حملة واحدة فانكشفت خيل بني سليم مولية ، وتبعهم أهل مكة والناس ولم يثبت معه صلّى اللّه عليه وسلّم إلا عمه العباس ، وأبو سفيان بن الحرث ، وأبو بكر ، وعمر ، وأسامة في إناس من أهل بيته وأصحابه . قال العباس : وأنا آخذ بلجام بغلته أكفها مخافة أن تصل إلى العدو لأنه كان يتقدم في نحوهم ، وأبو سفيان آخذ بركابه .
ومما يدل على شجاعته صلّى اللّه عليه وسلّم وكونه أشدهم بأسا ركوبه يومئذ على بغلته البيضاء وهي دلدل كما في رواية مسلم مع عدم صلاحيتها للحرب كرا وفرا ، ومن ثم لم يسهم لها ومع العادة إنما هي من مراكب الطمأنينة ، ومع أن الملائكة الذين قاتلوا معه في ذلك اليوم لم يكونوا إلا على الخيل لا غير ، ومع أنه كانت له أفراس متعدّدة في مواطن الحرب وهذا هو النهاية القصوى في الشجاعة والثبات ، وفيه إعلام بأن سبب نصرته مدده السماوي والتأييد الإلهي الخارق للعادة ، وبأنه ظاهر المكانة والمكان ليرجع إليه المسلمون وتطمئن قلوبهم بمشاهدة جميل ذاته وجليل آياته ، كركضه بها في نحر