صدرا وأصدق الناس لهجة وأوفاهم ذمة وألينهم عريكة وأكرمهم عشيرة ، من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه يقول ناعته لم أر قبله ولا بعده مثله ، وما سئل عن شيء قط على الإسلام إلا أعطاه ، وإن رجلا أتاه فسأله فأعطاه غنما سدت ما بين جبلين فرجع إلى قومه وقال : أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة . وما سئل شيئا قط فقال لا ، وحمل إليه
شرح
تسمية الشيء باسم محله أو مجاوره أي جوده صلّى اللّه عليه وسلّم بالسجية والطبع لا بالتكلف ، وقيل : من الجودة أي أحسنهم قلبا لسلامته من كل غش ودنس . كيف وقد صح أن جبريل شقه واستخرج منه علقة . وقال : هذا حظ الشيطان منك ثم غسله في طست ذهب بماء زمزم ، ( وأصدق الناس لهجة ) بفتحتين أو بفتح فسكون أي لسانا أي كان لسانه صلّى اللّه عليه وسلّم أصدق الألسنة . إذ هو أفصح الخلق وأعذبهم كلاما وأسرعهم أداء وأحلاهم منطقا . كان حسن كلامه يأخذ بمجامع القلوب ، ( وأوفاهم بذمة ) وفي نسخة : ذمة ، ( وألينهم عريكة ) أي طبيعة فهو مع الناس على غاية من السلامة والمطاوعة وقلة الخوف والنفور ، ( وأكرمهم عشيرة ) وفي نسخة عشرة أي اختلاطا وصحبة وعلى الأوّل هنا أكرمهم قبيلة أي قوما من جهة أبيه وأمه . ( من رآه بديهة ) أي فجأة عن غير قصد ( هابه ) أي أخذته الهيبة لما كان يظهر عليه من عظيم الجلالة والمهابة والوقار ، ( ومن خالطه معرفة أحبه ) لكمال حسن معاشرته وباهر عظيم تألفه . ( يقول ناعته ) أي واصفه ( لم أر قبله ولا بعده مثله صلّى اللّه عليه وسلّم ) للزوم هذا الوصف له وظهوره عند من له أدنى بصيرة فلما لم يخف كان كل واصف ملزوما بأن هذا القول يصدر عنه ، وإن لم يصدر عنه التصريح به غفلة وذهولا ، فالرؤية هنا علمية أي لم أعلم به مماثلا في وصف من أوصاف الكمال ، وأما ما ثبت من وجوه شبهه صلّى اللّه عليه وسلّم عمن ذكروهم وهم اثنا عشر أو أكثر ، فإن المراد به الشبه في البعض ، وإلّا فجملة محاسنه منزهة عن الشريك كما أفاده صاحب البردة رحمه اللّه تعالى . قال العراقي رواه الترمذي وقال : ليس إسناده بمتصل .
قلت : ولفظه : أجود الناس صدرا وأصدق الناس لهجة وألينهم عريكة وأكرمهم عشرة والباقي سواء .
( وما سئل ) صلّى اللّه عليه وسلّم ( قط على الإسلام ) شيئا من متاع الدنيا ( إلا أعطاه ) وجاد به أو وعده أو سكت ، ( فإن رجلا أتاه فسأله فأعطاه غنما بين جبلين فرجع إلى قومه وقال : يا قوم اسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة ) وفي لفظ : الفقر . رواه مسلم من حديث أنس قاله العراقي .
قلت : رواه من طريق عاصم بن النفر عن خالد بن الحرث ، حدثنا حميد بن موسى ، عن موسى بن أنس ، عن أبيه . ورواه البيهقي في الدلائل من طريق محمد بن أبي يعقوب الكرماني ، عن خالد بن الحرث وتمامه عند مسلم . وأعطى صفوان بن أمية يوم حنين مائة من الغنم ثم مائة ثم مائة حتى صار أحب الناس إليه بعد ما كان أبغضهم إليه ، فكان ذلك سببا لحسن إسلامه . وروى مسلم