إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 268
بيان إغضائه صلّى اللّه عليه وسلّم عما كان يكرهه : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رقيق البشرة لطيف الظاهر والباطن يعرف في وجهه غضبه ورضاه ، وكان إذا اشتد وجده أكثر من مس لحيته الكريمة ، وكان لا يشافه أحدا بما يكرهه . دخل عليه رجل وعليه صفرة فكرهها فلم يقل له شيئا حتى خرج فقال لبعض القوم : لو قلتم لهذا أن يدع هذه ، يعني : الصفرة . وبال اعرابي في المسجد بحضرته فهمّ به بيان اغضائه صلّى اللّه عليه وسلّم عما كان يكرهه : ( كان صلّى اللّه عليه وسلّم رقيق البشرة ) محركة ظاهر الجلد وهو علامة اعتدال المزاج ويكنى به عن الحياء أيضا ( لطيف الظاهر والباطن يعرف في وجهه ) الشريف ( غضبه ورضاه ) قال العراقي : روى أبو الشيخ من حديث ابن عمر « كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يعرف رضاه وغضبه بوجهه » الحديث . وقد تقدم . ( وكان ) صلّى اللّه عليه وسلّم ( إذا اشتد وجده ) أي غضبه يقال : وجد عليه وجدا وموجدة إذا غضب عليه ( أكثر من مس لحيته ) قال العراقي : رواه أبو الشيخ من حديث عائشة رضي اللّه عنها بإسناد حسن . ( وكان ) صلّى اللّه عليه وسلّم ( لا يشافه أحدا بما يكرهه ) لئلا يشوش عليه ، وذلك لكثرة حيائه وسعة صدره وسببه أنه ( دخل عليه رجل وعليه صفرة فكرهها فلم يقل له شيئا ) أي في وجهه ( حتى خرج ) من عنده ( فقال لبعض القوم : لو قلتم لهذا ) لو للشرط فالجزاء محذوف أي لكان أحسن أي لأنه فيه نوع تشبه بالنساء وهو من غير قصد التشبيه بهن مكروه أو للتمني ( أن يدع هذه يعني : الصفرة ) الظاهر أن ذلك الأثر لم يكن محرما وإلا لم يؤخر أمره صلّى اللّه عليه وسلّم بتركه إلى مفارقته للمجلس ، فزعم بعضهم أن غضبه صلّى اللّه عليه وسلّم عند انتهاك المحارم لا ينافي تفويضه لغيره الأمر بإزالتها وإن أدى إلى تأخيرها غفلة عن كلام الأئمة في بحث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه يجب على القادر إزالة المنكر فورا بلسانه أو يده ، ولا يجوز له أن يستنيب غيره في ذلك إذ أدت استنابته إلى تأخير ذلك المنكر ولو لحظة ، وهو صلّى اللّه عليه وسلّم سمع كلام هذا الرجل ثم ولم يأمرهم أن يقولوا له أزل هذا إلا بعد قيامه من المجلس فأخر الإزالة إلى انقضاء المجلس وهذا لا يقوله إلا جاهل بالفقه وقواعده ، فتعين ما ذكرته من أن ذلك الأثر الذي كان عليه لم يكن محرما ويؤيد ذلك أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لما رأى على عمرو بن العاص ثوبين معصفرين أمره فورا بإزالتهما . فإن قلت : لم أمر هنا عمرا وثم أنابهم في ذلك ؟ قلت : لما تقرر أن عمرا عليه محرم بخلاف ذلك الرجل وبفرض تحريم المعصفر الذي قال به كثيرون ، فوجهه أن عمرا عليه محرم يفرح بذلك ويبادر إلى امتثاله ، وذلك الرجل لعله قريب عهد بالإسلام فخشي عليه إن واجهه بأمره بإزالة ما عليه ففوضه لغيره لا على وجه الإلزام به . وهذا أيضا مما يصرح بأنه لم يكن محرما . قال العراقي : رواه أبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي في اليوم والليلة من حديث أنس بإسناد ضعيف اه .