النوري فبادر إلى السيّاف ليكون هو أول مقتول فقيل له في ذلك فقال : أحببت أن أؤثر إخواني بالحياة في هذه اللحظة فكان ذلك سبب نجاة جميعهم في حكاية طويلة ، فإن لم تصادف نفسك في رتبة من هذه الرتب مع أخيك فاعلم أن عقد الأخوة لم ينعقد بعد في الباطن وإنما الجاري بينكما مخالطة رسمية لا وقع لها في العقل والدين ، فقد قال ميمون بن مهران : من رضي من الإخوان بترك الأفضال فليؤاخ أهل القبور .
وأما الدرجة الدنيا فليست أيضا مرضية عند ذوي الدين روي أن عتبة الغلام جاء إلى منزل رجل كان قد آخاه فقال : أحتاج من مالك إلى أربعة آلاف فقال خذ ألفين فاعرض عنه وقال : آثرت الدنيا على اللّه أما استحييت أن تدعي الاخوة في اللّه وتقول هذا ، ومن كان في الدرجة الدنيا من الأخوة ينبغي أن لا تعامله في الدنيا . قال أبو حازم : إذا كان لك أخ في اللّه فلا تعامله في أمور دنياك وإنما أراد به من كان في هذه الرتبة .
شرح
( النوري ) رحمه اللّه تعالى ، صحب السري وابن أبي الحواري وكان من أقران الجنيد ، مات سنة خمس وتسعين ومائتين . ( فبادر إلى السيّاف ليكون هو أوّل مقتول ) دون إخوانه ( فقيل له في ذلك . فقال : أحببت أن أؤثر إخواني بالحياة في هذه اللحظة ) اللطيفة فبلغ ذلك الخليفة فعفا عنهم . ( فكان ذلك سبب نجاة جميعهم في حكاية طويلة ) هذا محصلها ، ( فإن لم تصادف نفسك في رتبة من هذه الرتب مع أخيك فاعلم أن عقد الأخوّة لم ينعقد بعد في الباطن وإنما الجاري بينكما مخالطة رسمية ) ظاهرية ( لا وقع لها ) ولا تأثير ( في العقل والدين ، فقد قال ميمون بن مهران ) الجزري ، كوفي نزل الرقة ثقة فقيه ولى لعمر بن عبد العزيز الجزيرة ، روى له البخاري في الأدب المفرد والباقون : ( من رضي من الإخوان بترك الإفضال فليؤاخ أهل القبور ) كذا في القوت ، وأخرجه صاحب الحلية من طريق المعافي ابن عمران عن ميمون بن مهران قال : من رضي من صلة الإخوان بلا شيء فليؤاخ أهل القبور .
( وأما الدرجة الدنيا ) وهي التي ذكرت ( فليست أيضا مرضية ) مقبولة ( عند ذوي الدين . روي أن عتبة الغلام ) أحد مشايخ وقته ( جاء إلى منزل رجل كان قد آخاه ) أي اتخذه أخا في اللّه تعالى ( فقال ) له : ( أحتاج من مالك إلى أربعة آلاف ) من درهم ، ( فقال :
خذ ألفين فاعرض عنه وقال : آثرت الدنيا على اللّه ) تعالى : ( أما استحييت أن تدعي الأخوة في اللّه وتقول هذا ) نقله صاحب القوت . ( ومن كان في الدرجة الدنيا من الأخوة ينبغي أن لا تعامله في الدنيا . قال أبو حازم ) سلمة بن دينار الأعرج المدني : ( إذا كان لك أخ في اللّه فلا تعامله في أمور دنياك ) نقله صاحب القوت ، ( وإنما أراد به من كان في هذه الرتبة التي ذكرناها ) وهي الرتبة الدنيا .