وغيرها وهو غافل ، فيقرأ تمام السورة وتثوب نفسه إليه بعد انتهائه إلى آخرها ويعلم أنه قرأها في حال غفلته ، وكذلك الكاتب يكتب في الابتداء بجهد شديد ثم تتمرن على الكتابة يده فيصير الكتب له طبعا فيكتب أوراقا كثيرة وهو مستغرق القلب بفكر آخر ، فجميع ما تحتمله النفس والجوارح من الصفات لا سبيل إلى اكتسابه إلا بالتكلف والتصنع أولا ثم يصير بالعادة طبعا ، وهو المراد بقول بعضهم : العادة طبيعة خامسة .
فكذلك الأحوال الشريفة لا ينبغي أن يقع اليأس منها عند فقدها ، بل ينبغي أن يتكلف اجتلابها بالسماع وغيره ، فلقد شوهد في العادات من اشتهى أن يعشق شخصا ولم يكن يعشقه فلم يزل يردد ذكره على نفسه ويديم النظر إليه ويقرّر على نفسه الأوصاف المحبوبة والأخلاق المحمودة فيه حتى عشقه ورسخ ذلك في قلبه رسوخا خرج عن حد اختياره ، فاشتهى بعد ذلك الخلاص منه فلم يتخلص . فكذلك حب اللّه تعالى والشوق إلى لقائه والخوف من سخطه وغير ذلك من الأحوال الشريفة ، إذا فقدها الإنسان فينبغي أن يتكلف اجتلابها بمجالسة الموصوفين بها ومشاهدة أحوالهم وتحسين صفاتهم في
شرح
تمام السورة وتثوب نفسه ) أي ترجع ( إليه بعد انتهائه إلى آخرها ، ويعلم أنه قرأها في حال غفلة ، وكذلك الكاتب يكتب في الابتداء ) أي في أول مرة ( بجهد شديد ) ومشقة زائدة ( ثم تتمرن على الكتابة يده فيصير الكتب له طبعا ) أي سهلا ( فيكتب أوراقا وهو مستوفي القلب بفكر آخر فجميع ما تحتمله النفس والجوارح من الصفات لا سبيل إلى اكتسابه إلا بالتكلف والتصنع أولا ، ثم يصير بالعادة طبعا ، وهو المراد بقول بعضهم : العادة طبيعة خامسة ) زائدة على الطبائع الأربع ، وهذا القول مشهور عن الحكماء ويشبه ذلك ما سبق للمصنف في آداب الأكل : عودوا كل بدن ما اعتاد وهو من قول الحكماء أيضا ، ( فكذلك الأحوال الشريفة لا ينبغي أن يقع اليأس منها عند فقدها ، بل ينبغي أن يتكلف اجتلابها بالسماع وغيره ) ليكون ذلك طبعا له ، ( فلقد شوهد من العادات من اشتهى أن يعشق شخصا ولم يكن يعشقه فلم يزل يردد ذكره على نفسه ، ويديم النظر إليه ويقرر على نفسه الأوصاف المحبوبة والأخلاق المحمودة فيه حتى عشقه ورسخ ذلك في قلبه رسوخا خرج عن جد اختياره ، فاشتهى بعد ذلك الخلاص منه فلم يتخلص ) أي لم يمكنه ، ( وكذلك حب اللّه تعالى ) والعشق فيه ( والشوق إليه ) أي إلى لقائه ( والخوف من سخطه ) وعقابه ( وغير ذلك من الأحوال ) الشريفة ، ( إذا فقدها الإنسان فينبغي أن يتكلف اجتلابها ) وتحصيلها ( بمجالسة الموصوفين بها ومشاهدة أحوالهم ) في أثناء المجالسة ، ( وتحسين صفاتهم في النفس بالجلوس معهم في السماع ) ومجالس الذكر والمراقبة ، ( وبالدعاء والتضرع إلى اللّه تعالى في أن يرزقه تلك الحالة بأن تتيسر له أسبابها ) التي تحصل تلك الحالة .