تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 729

مساهمون:

ص٧٢٩
واعلم أيضا أن الوجد ينقسم إلى هاجم وإلى متكلف ويسمى التواجد ، وهذا التواجد المتكلف فمنه مذموم وهو الذي يقصد به الرياء وإظهار الأحوال الشريفة مع الإفلاس منها ، ومنه ما هو محمود وهو التوصل إلى استدعاء الأحوال الشريفة واكتسابها واجتلابها بالحيلة ، فإن للكسب مدخلا في جلب الأموال الشريفة ، ولذلك أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من لم يحضره البكاء في قراءة القرآن أن يتباكى ويتحازن فإن هذه الأحوال قد تتكلف مبادئها ثم تتحقق أواخرها . وكيف لا يكون التكلف سببا في أن يصير المتكلف في الآخرة طبعا . وكل من يتعلم القرآن أو لا يحفظه تكلفا ، ويقرأه تكلفا مع تمام التأمل وإحضار الذهن ، ثم يصير ذلك ديدنا للسان مطردا حتى يجري به لسانه في الصلاة
شرح
( واعلم أيضا أن الوجد ينقسم إلى هاجم ) وهو الذي يهجم عليه من غير تكلف ( وإلى متكلف ) يرد عليه بنوع من التكلف ( ويسمى التواجد ) والصيغة تدل على معنى التكلف فيه ، ( وهذا التواجد المتكلف فمنه مذموم وهو الذي يقصد به الرياء وإظهار الأحوال الشريفة مع الإفلاس منها ) أي خلوه منها ، ( ومنها ما هو محمود هو التوصل إلى استدعاء الأحوال الشريفة واكتسابها واجتلابها بالحيلة ، فإن للكسب مدخلا في جلب الأحوال ، ولذلك أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من لم يحضره البكاء في قراءة القرآن أن يتباكى ويتحازن ) وهو قوله : « فإن لم تبكوا » وقد تقدم في الباب الثاني من كتاب تلاوة القرآن ، وأصل هذا السياق للقشيري في الرسالة فإنه قال : التواجد استدعاء الوجد بقرب اختيار وليس لصاحبه كمال الوجد ، إذا لو كان له ذلك لكان واجدا وباب التفاعل أكثره على إظهاره الصفة وليست كذلك قال الشاعر :إذا تخاررت ومالي من خزر * ثم كسرت العين من غير عورفقوم قالوا : التواجد غير مسلم لصاحبه لما يتضمن من التكلف ويبعد عن التحقيق ، وقوم قالوا : إنه مسلم للفقراء المجردين الذين ترصدوا لوجدان هذه المعاني ، وأصله خبر الرسول صلّى اللّه عليه وسلم : « ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا » والحكاية المعروفة لأبي محمد الجزيري على ما سيأتي ذكرها للمصنف مختصرة ، ونكمل سياقها هناك حيث أطلق هناك التواجد ولم ينكر عليه ، وسيأتي للمصنف في كتاب ذم الغرور ما لفظه : التواجد استدعاء الوجد والتشبه في تكلفه بالصادقين من أهل الوجد ، فالتواجد تفاعل في اكتساب الوجد ، وإن كان أصل باب التفاعل إنما يصح من اثنين لكنه لما استدعى الوجد وعسر عليه ثم استدعاه أشبه التفاعل والوجد غلبة ما كان يبعثه ويتواجد له على قلبه والوجود حصول ذلك في القلب وتواليه عليه من غير تكلف ، ( فإن هذه الأحوال قد تتكلف مبادئها ثم تتحقق أواخرها ، وكيف لا يكون التكلف سببا في أن يصير التكلّف بالآخرة طبعا ) لازما ، ( وكل من يتعلم القرآن ويحفظه تكلفا ويقرؤه تكلفا من غير تمام التأمل وإحضار الذهن عند ذلك قد يصير ذلك ديدنا للسان ) أي عادة له ( مطردا ) جاريا ( حتى يجري به لسانه في الصلاة وغيرها ) من غير تكلف ( وهو غافل ) عن قراءته ( فيقرأ
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 729 | مرتضى الزبيدي